العشيرة في الاردن تعرضت لظلم كبير من اكثر من طرف، بقصد او بدون قصد. ظلمها البعض ممن خلطوا بقصد بين العشيرة ونقيض الحضارة والتقدم، وأصبح الحديث عن العشائر باعتبارها نوعا من الفلكلور والتراث.
وهي جزء من صورة رسمتها المسلسلات البدوية، وأن ابناء العشائر غارقون في الشكليات، وبعيدون عن المدينة والحضارة، وتتم مجاملتهم بجمل من الإنشاء عن الكرم والشهامة والمروءة، لكن هذا لتمرير قناعات وأفكار وصورة عن العشيرة بأنها عائق امام التقدم، وربما رمز للتخلف.
  وفي خطاب البعض الناقد للوضع الأردني، كان يوصف المجتمع الأردني بأنه مجتمع عشائري. وبعض المتحمسين للتنمية السياسية وتطوير الحياة السياسية يقدمون الصبغة العشائرية للمجتمع بأنها تعطل مسيرة التنمية.
 وقد لا يكون هذا حماساً للعمل السياسي والحزبي، بقدر ما هو موقف سلبي من العشائر، باعتبارها تعبيراً اجتماعياً وسياسياً اردنياً مؤثراً، حتى ان الامور تظهر احيانا وكأن العشائرية مرض يصيب الأردن، وليس صفة او ميزة لمجتمعه.
  وتعرضت العشيرة الى ظلم من بعض ابنائها، الذين رأوا في انتمائهم لها وحملهم لأسمائها الكريمة، وسيلة للمنفعة الشخصية، وقدموا تضحية بدور العشيرة وأشكال قوتها وحضورها مقابل شكليات ومصالح.
فرأى هؤلاء في العشائرية قوائم تجري دعوتها لحفل او غداء او افطار رمضاني، واعتبر البعض ان تمثيله لعشيرته خاص ببعض المكاسب والاحترام لشخصه.
  والحكومات على مدار العقود مارست ظلما بحق مؤسسة العشيرة، عندما جعلتها في صورة اشخاص يقبلون بكل شيء، ويبتعدون عن مناقشة الأمور بعمق، وعلاقتهم بالدولة قائمة على القصائد والفرق الشعبية وإقامة الاحتفالات، وتخصيص يوم لهم في المآدب والمواسم.
  وهذا الظلم من كل الأطراف ألحق ضرراً بمكانة مؤسسة اجتماعية وسياسية قائمة على الخلق الكريم والرجولة.
ولعل العارفين، من كبار السن او ممن بحثوا في تاريخ الاردن وعشائره، يذكرون ان النظام السياسي الأردني اعتمد، منذ بدايته، على العشائر لقوة رجالها وحضورهم ورأيهم، وان القوى التي مارست عملاً وطنياً مناهضا للنفوذ البريطاني، والتي عملت على بناء مؤسسات ديمقراطية وتشريعية ومواقف وطنية، كانت من شخصيات عشائرية في العشرينات، حيث المؤتمر الوطني والميثاق وغيرها من المحطات الهامة في تاريخ الدولة.
والذين كانوا جزءاً من تاريخ الدولة، القريبين من الحكومات والمعارضين لها، كانوا من خيرة ابناء العشائر؛ مثل هزاع المجالي، ومصطفى وهبي التل، وقبلهما الشيخ عودة ابو تايه، وشيوخ العدوان، ومحمود المعايطة، وغيرهم الكثيرون، حتى من عهود ما قبل الدولة، والذين قادوا تحركات شعبية ضد العهد الظالم في الدولة العثمانية بعد ان سيطر عليها الاتحاد والترقي.
  انه تاريخ طويل، وقوائم من الاسماء لا تنتهي، توزعت على كل مراحل ومواقف الدولة، حتى في معارضة سياسات الحكومات.
وهذا يدل بشكل واضح على انها مؤسسة خصبة وهامة، لا يجوز اختصارها او تقزيمها. وحتى عندما نتحدث عن تنمية سياسية وتطوير النظام الإداري في الأقاليم، فإن مؤسسة العشيرة مصدر قوة لأي عملية تغيير.
فهي ليست مستودع اصوات انتخابية، يلجأ اليها ابناؤها المغتربون او الحزبيون في موسم يتكرر كل اربع سنوات.
والدفاع عن العشائرية ليس فقط في القول انها تضم كفاءات متعلمة وذات قدرات ادارية وعلمية وخبرة، وليس فقط بإعطائها بعض حقوقها البروتوكولية او تقديم بعض رموزها، وإنما في محاولة اعطائها دورها، كمؤسسة من مرتكزات الدولة الأردنية، وعنوان من عناوين الاستقرار فيها، وان تكون رقما في حسابات الحكومات، تحسب لها حسابا في مسار الدولة.
 فالاختزال كان يتم احيانا بتقديم وتعزيز ادوار بعض ابناء عشيرة ما من المحسوبين على الحكومة، بينما يتم تهميش ادوار وحضور آخرين لأنهم اصحاب رأي، او لا يمارسون ادواراً ترضي هذه الحكومة او تلك.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة