صرخة ذلك الطفل 

 

أشعر بعدالة السماء ، وبطش انتقامها ، حينما نرى الجميع ينفرطون من حول الطغاة ، كحبات مسبحة قطعت على أرضية رخام. ولكني أدين النفاق الذي جعلهم لعقود طويلة يبجلونهم ويقدسونهم ويثنون عليهم ، ويزينون أعمالهم ، حتى إذا ما سقط الطاغية منهم ، تكاثرت عليهم السكاكين كبقرة خرَّت في أرض المسلخ. وهذا جزء من العقاب. فالقذافي المتفاجئ بأن الجميع تخلوا عنه ، ستنسحب حالته على كل زملائه الطغاة من قبله وبعده ، إلى يوم يبعثون.

سأذكركم بقصة من سالف الزمان عن نساج خبيث جاء إلى السلطان: يا مولاي إنني أنسج ثوباً عجيباً ، فهو بالإضافة إلى جماله وكماله ورقته ورهافته ، يستطيع أن يكتشف المنافقين بيسر وسهولة ، فهذا الثوب لا يراه إلا الصادقون. أما المنافق فإنه لا يراه أبداً. ففرح السلطان ، فهو يحتاجه إلى هذا المقياس ، ليميز المنافقين من حاشيته.

اصطحب النساج السلطان إلى معمله ، وهناك قال: أنظر يا مولاي ، ما أجمل هذا الثوب. فهزّ السلطان رأسه متعجباً ، فهو لم يرَ شيئاً ، فقد كان النوال فارغاً (النوال هو أداه النسج القديمة) ، لكنه خشي أن يتهم بالنفاق ، إذا قال أنه لا يرى شيئاً.

السلطان أراد اختبار حاشيته المقربين ، فأمرهم بالاجتماع بعد أن لبس ثوبه المزعوم ، وخرج إليهم ، فما كان منهم إلا أن انبهروا بجماله ورقته وبهاء الوانه وحسن صنعه ، فهو ثوب لم يخاط في البلاد ولم يعرفه العباد،. فعرف السلطان أن كل الحاشية مداهنة ومنافقة و(ملعونة حرسي) ، وأنهم لا يقولون إلا الشيء الذي يريد أن يسمعه هو.

وبعد أن شاعت قصة الثوب ، قرر أن يكتشف النفاق في سائر سلطنته ، فأمر الوزراء أن يجمعوا الناس ليروا موكبه المهيب ، وهو مرتدْ ثوبه العجيب. فسار بين الناس المصطفين على حواشي الطرق ، والكل كان يهز برأسه منبهراً بجمال الثوب وحسنه،. وفجأة يقفز طفل من بين الجموع صارخاً: السلطان عارْ ، إنني لا أرى ثوباً عليه ، إنه عارْ تماماً.

لم نعرف مصير الطفل. هل سُحق ، أم ماذا؟،. ولكن التاريخ ما زال يروي لنا أن الناس تفقد مصداقيتها حينما لا يقول الواحد منهم ما يرى. خوفاً أو طمعاً ، وبهذا يتكاثر المداهنون المتكسبون. وهذه التربة المسمدة بالنفاق هي التي يشتاط فيها الطغاة ويشمخون ويكبرون ويهيمنون ، ولهذا يتفاجأون حين يصبحون وحيدين بعد السقوط.

فهل تحتاج الشعوب إلى صرخة ذلك الطفل البريء ، ولكن تحتاجها في وقت أبكر كي تتدارك نفسها؟،. فالبراءة دائماً هي ما ينقص الناس في كل تاريخهم ، وحيواتهم،.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية