لن يخرج من قرعته 

 

لأني أعرف ما معنى (فطام الكبير). ولأن السلطة (حلو مذاقها ، صعب فطامها) ، فلن أتعجب أبداً من قوة الإلتصاق العجيبة الغريبة بالكراسي ، التي أبداها كل من حسني مبارك وزين العابدين ومن بعدهما العقيد الذي اسميته في مقال سابق (أبو خنزوانة). فالظاهر أن (شلع) الأضراس بكماشة بادحة ، وبغير مخدر ، أسهل عليهم من هذا الفطام.

وبالعكس ، فليس هناك أسهل من فطام الصغير عن ثدي أمه ، وقد يتم بأشكال عدة أولها الخدعة بالقول ، والوعد بالحليب ، وثانيها اللعب والتسلية ، حتى ينسى الطفل الثدي ويسلاه ، وإذا كان الطفل متعلقاً بحليب أمه حتى شغاف القلب ، فلا بد من دكان العطار لشراء (الحلوة) ، وهي مادة بعكس اسمها ، فهي أمر من العلقم ، يدهن بها ثدي الأم ، فيعافه الطفل ليفطم.

لكن الدخول في حب السلطة والتشبث بها ، يشبه إلى حد ما الدخول في حبة قرع كبيرة بحجم بطيخة. فالفأر الجائع الذي أحدث ثقباً صغيراً في جدار هذه القرعة بأسنانه الحادة (كما تخبرنا قصة شعبية عالمية) ، ودخل إلى لبها ، ورتع في خيراتها ، وتسلى ببذورها ، وبما أن الحياة في الداخل مريحة وسهلة ، ما دام الطعام (حبطرشاً) ، فإن الخروج لم يخطر على بال الفأر الذي تضخم وتنبل ، وأصبح بحجم جرذ.

وحين تعصف الأحداث والثورات ، وحين يهم الفأر بالخروج متثاقلاً ليستطلع الأمر ، يجد جسمه قد تورم وانتفخ وتضخم ، بحيث أن الثقب الذي دخل منه ، لا يستطيع أن يخرج منه ، فيقدر أن السبيل الوحيد للخلاص من سجن القرعة ، التي اشتدت وأصبحت يابسة كالصخر ، أن يعود بجسمه إلى وضعه الطبيعي. فضرب على نفسه صوما إجباريا فيعود صغيراً وهزيلاً ، أكثر من هزله وضعفه ، عندما دخلها أول أمره،،.

خرج فأر القصة سالماً بعد عناء. فكيف سيخرج القذافي من قرعته بعد أن استنفذها وجعلها مزرعته الخاصة؟، ، كيف سيخرج دون أن يعود لحجمه الحقيقي؟،. كيف سيخرج بعد أن تضخم بالوهم والغرور والفجور والطغيانم ، حتى غدا يرى نفسه إلها أو أكثر؟،. وكيف يفطم هؤلاء عن السلطة؟، ، وأية (حلوة) تلك قد تجعلهم يعافون أثداءها الممتلئة؟،.

صدقوني ، لن يخرج (أبو خنزوانة) من قرعته ، أو جحره ، بل سيبقى هناك حتى ويجر ويسحل من أسماله البالية إلى مزبلة التاريخ. فهذا جزاء كل من أوغل بدم شعبه وقتل أهله. وهكذا تقتضي عدالة السماء. فيا ربنا قرّب هذا اليوم ، وارحم أهلنا في ليبيا.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية