امس كانت محافظة العقبة المحطة الثانية في جولات جلالة الملك على المدن الاردنية. لكن العقبة التي شهدت الجولة ولقاء الناس لم تكن العقبة الخاصة او الشكل الاداري للمدينة، وانما كان تعبيراً عن عشائر المحافظة وعائلاتها وفعالياتها، التي عبرت كل منها عن نفسها ببيت شَعر، وجملة من التراثيات الجميلة، بما في ذلك الخيول والابل وفنجان القهوة العربية.
وميزة العقبة غير الخاصة انها تخلصت مما عاشته المدينة منذ سنوات من شاشات الكمبيوتر، و"Data Show" و"PowerPoint"، وحملات التبشير التي مارستها بعض الحكومات وطبقات من المسؤولين، بان هذه المدينة ستحمل وعوداً بالرخاء وتدفق الاستثمارات، وتوليد عشرات الالاف من فرص العمل. وكان هذا الامر في بدايته مشروعاً، باعتباره نوعاً من التفاؤل بفكرة جريئة، لكنه تحول بعد ذلك الى ضجيج سياسي واعلامي. بل رآه البعض مشروعاً شخصياً ومعياراً لفشله كمسؤول، ولم يجرؤ البعض على امتلاك ما يجب من اجل القيام بتقويم موضوعي للفكرة وتطبيقاتها، وتحولت الامور الى محاولات تسويق، واصبح الخاص هو المفوضية وكادرها ورواتب من فيها.
وكان للملك الفضل في الاقتراب من قرى وبلدات المحافظة التي لم يصلها شيء من دلال المنطقة الخاصة. فكانت جولاته على قرى وادي عربة والمزفر التي تبعد 20 كم فقط عن مدينة العقبة، وغيرها من القرى التي قدمت الدليل الحي على استغراق البعض في شكليات الايجازات، او ما يسمى "Presentation". ولولا وصول الملك الى المزفر، مثلاً، لما عرفنا أن أهلها لم تصلهم أسياسيات الحياة وليس رخاء المنطقة الخاصة، وهم على بعد 20 كم من الرخاء والرواتب الشاهقة.
ولقاء الامس اتخم العقبة باهلها الحقيقين واوضاعهم وهمومهم، والذين جاؤوا بصدقهم وانتمائهم وامالهم ومشكلاتهم، ليس للقاء الملك وحسب، وانما ليقولوا ان العقبة ليست بضعة شوارع أو بنايات ومكاتب، بل سكان ومشكلات وقدرات. وان العقبة تكون خاصة ليس عبر بضعة تشريعات، بل عندما يكون الوضوح نهج ادارتها، وان تكون كل المحافظة محل اهتمام الحكومات. وان إنصاف اهل المحافظة والالتفات إلى همومهم هي اولى الخطوات لبناء حالة خاصة.
ولعل من يقترب من بيوت الشَّعر واهلها يدرك كم اضاعت الحكومات من الوقت في الذهاب بعيداً عن بعض الاولويات. فالموز والمكسرات وصناديق العصير والمشروبات الغازية المكدسة في المحلات وعلى الارصفة، لم تكن تحتاج الى كل ما تم انفاقه من مال وتشريعات ودلال لبعض الهيئات، وان المبادرة والاجتهاد في البحث عن حلول يسجل لاصحابه، لكن عدم الوقوف للتقويم واعادة النظر يسجل على من لا يمارسه. ولعلنا نذكر اننا، ونحن ننتظر نجاح التجربة، اكتشفنا على ابواب الحرب الاخيرة على العراق، ان الادارات المعنية لم تكن قاردة على ادارة الميناء، وانها فوجئت باستحقاقات الحرب، وكأنها زلزال مفاجئ وليس امرا توقعه كل العالم، باستثناء قادة ادارة الميناء والمنطقة الخاصة.
جولات الملك واقترابه من عصب الدولة وجذورها، وهم عامة الناس، تقرب الصورة للمسؤول والمتابع. فما يتكلم به هؤلاء الاردنيون لملكهم وقائدهم هو جوهر القول، يخلو من الصخب ومناكفات اهل السياسة. وهؤلاء المتدثرون بالشماغ والهموم هم الباحثون عن الاصلاح الحقيقي، الذي يرونه بشكله السليم؛ حياة كريمة، وتواصلا صادقا، وانتماء يخلو من الهرمونات والاكسسوارات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة