النفط قد يكون اكبر مشكلاتنا الاقتصادية، وفاتورته من العملة الصعبة متزايدة باتجاهين؛ الاول من حيث زيادة الاستهلاك بسبب النمو والنشاط الاقتصادي والحياتي، والثاني بسبب الارتفاع في اسعار النفط عالمياً. وهذا يعني ان توفير النفط يستنزف قدرا كبيرا من العملة الصعبة والمال المتوفر، بخاصة ان الواقع العربي لم يعد قادرا على ايجاد عون للأردن او غيره، بشكل يمكن الاعتماد عليه استراتيجيا حتى وان توفر مرحليا.
وعلى صعيد المواطن الاردني، فإن رفع اسعار المشتقات النفطية اصبح هاجسا مؤلما مزعجا عاما بعد عام، بل ان عملية رفع الاسعار اصبحت شيئا مؤكدا كل عام، واصبحت كل حكومة تحمل على رأسها هذا العبء، وتحاول تأجيله شهرا بعد شهر، لكنها تدرك ان عليها مواجهة لحظة اتخاذ القرار. والعارفون يدركون ان عملية رفع الاسعار ليست مرتبطة فقط بالفاتورة النفطية، بل هي جزء من شروط مؤسسات دولية برفع الدعم المقدم للمواطن مقابل منح القروض او جدولتها.
والحكومة او الحكومات تقول انها تبحث عن حلول استراتيجية لمشكلة النفط، لكن الى حين الوصول الى تلك الحلول، فإن هناك خطوات واجراءات قد لا تمثل الحلول الاستراتيجية، لكنها تمثل دلالات على الاحساس بالمشكلة، ومؤشرا على جدية الحكومات في ادارتها.
فمثلا، هنالك دول لا تسمح لسيارات الدولة التي يستعملها الموظفون ان تكون من ذات المحركات الكبيرة التي تستهلك كميات كبيرة من البنزين. أما في الاردن، فلدينا اسطول ضخم من السيارات الوظيفية الفاخرة، وذات المحركات الكبيرة والكبيرة جدا، وهي متناثرة في كل مؤسسات الدولة، وسينضم اليها اسطول اخر للسادة ممثلي الشعب! فضلا عما سيتبعها من سيارات على ضوء "القدوة" التي قدمها النواب لمؤسسات اخرى. وربما لو كان لدى الحكومات فاتورة واضحة للانفاق النفطي للسيارات المستخدمة في كل مؤسسات الدولة، لوجدنا رقما ماليا كبيرا، ينفق في مسار تعاني فيه من مشكلة حقيقية!
ولو جمعنا آلاف السيارات الرسمية، وغالبيتها من ذات المحركات الكبيرة المستنزفة للبنزين الخاص او الخالي من الرصاص، ووضعناها في ساحة عرض، لأعتقد من يشاهدها اننا دولة نفطية، او دولة صناعية لديها موارد مالية، ولا تحمل حكوماتها الناس، عاما بعد عام، عبئا معيشيا جديدا بحجة تضخم الفاتورة النفطية. واحيانا نجد لدى بعض الوزراء اكثر من سيارة، والخلاصة مصروف كبير من البنزين الخاص والخالي من الرصاص.
واذا سلمنا بالحق الشخصي لأي مواطن ان يشتري ما يشاء من السيارات من ماله الخاص، فما الذي يضر الوزير الاردني لو ركب سيارة حديثة بمحرك صغير، وذات انفاق نفطي عادي؟ هل يقلل من هيبة اي امين او مدير عام أن لا تكون سيارته "مرسيدس" فاخرة ذات محرك كبير؟! وحتى السادة النواب الذين يستعد معظمهم لركوب ضرائب الاردنيين عبر سيارات فخمة وذات محركات كبيرة، فما الذي كان يمنعهم من شراء سيارات "وظيفية!!" كالتي يركبها الاردنيون من اموالهم الخاصة؟! وهذا الحال ينطبق على كل سيارة رسمية، يتم تغطية تكاليف مصروفها من البنزين من مال الخزينة.
منطق الامور ان يتصرف المرء بشكل منسجم, فلو رأينا مواطنا موظفا براتب محدود، يركب سيارة فاخرة، لطرح كل منا سؤالا يستغرب فيه هذا التناقض. وكذلك الحال مع حكوماتنا ومسؤولينا، الذين يفترض ان يكون انفاقهم متناسبا مع الوضع الاقتصادي العام والمديونية، والضرائب التي اصبحت المورد الاساسي للخزينة، الا اذا كان المسؤول يرى هيبته في سيارة باذخة، فيها هدر كبير من البنزين على حساب الخزينة.
واخيرا، قد لا يكون ممكنا التخلص من السيارات الموجودة، لكن من الممكن ان تتبنى الدولة مسارا باتجاه السيارات ذات المحركات الصغيرة، اضافة الى ترشيد حقيقي وغير وهمي لاستخدام ما هو موجود، الا اذا كان لدى الحكومة بئر نفطية سرية، تشرب منها سيارات الدولة الكبيرة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة