يروى عن بعض السياسيين المخضرمين الذين قضوا حياتهم في معسكرات المعارضة، لا للحكومات فقط، بل ولمختلف القوى الاستعمارية خلال القرن الماضي، انه كان لديهم تهمتان جاهزتان لمن لا يعجبهم رأيه، او يقول ما لا يروق لهم. التهمة الاولى اخلاقية، وتوجه إلى صاحب الرأي عبر شتيمة مختصرة. أما الثانية، فهي اتهامه بالعمالة لاجهزة المخابرات؛ مثل المخابرات الالمانية، يوم ان كان لها حضور في المنطقة، او المخابرات الاميركية، واحياناً المخابرات العربية الرجعية، حسب عدائها للقوى التقدمية.
وهذا النمط من التفكير يمتد الى مساحات واسعة في بعض القوى السياسية. فإذا دخلت في جدل سياسي، او قلت رأياً صريحاً غير مألوف او لا يعجب تنظيماً او تنظيمات، او تحدثت مطالباً اياها بتصحيح مسار او ممارسة، فقليل من يناقش ما يكتب او يقال، إذ إن التهم جاهزة ومحترفي شن الحملات وممارسة الافتراء حاضرون، عبر التشكيك بولاء هذا الشخص للفكرة او للعمل الوطنيين، ويتم تصنيفه في احد المعسكرات السياسية او الاجهزة الامنية.
ومن يمارس تجوالاً في ساحة العمل السياسي، يمينه ويساره ووسطه، يجد ضحايا لهذه العقلية. والمؤسف ان يرتبط كثير من الافتراء والتصنيف احياناً بقواعد الجغرافيا، وما نرفضه نظريا جميعنا، ألا وهو التعصب البغيض. ولهذا نجد في ساحتنا السياسية الواسعة حالات اغتراب من حزبيين عن احزابهم، وعمليات طرد منظمة، لكن بوسائل ناعمة وان كانت مؤذية ورديئة. وحتى بعض الانشقاقات الحزبية، وما ينتج عنها من تنظيمات جديدة وهيئات حزبية، فقد كان بعضها خلافات سياسية وفكرية، واصطفافات غير سياسية. ولن يجد المتابع مشقة حين يدرس تطورات الساحة خلال العقدين الماضي والحالي ليلاحظ هذه الامثلة.
واحياناً تكون القصص فردية، لكن بتراكمها تتحول الى ظاهرة. فنسبة من المتقاعدين من احزابهم وتنظيماتهم فعلوا ذلك بناء على قناعات بضعف جدوى العمل، او خلافات بين آراء ناقدة واخرى رسمية داخل هذا التنظيم او ذاك.
واحياناً يكون عنوان مصلحة الحزب والتنظيم، والحفاظ على التماسك الداخلي، مبرراً لفتح المحاكم امام اصحاب الرأي المخالف، حتى وان كان رأياً دون ممارسة مخالفة. أما العقوبات فهي من نوع التهميش او التحريض على الخروج من التنظيم، او تقديم ذي الرأي المخالف على انه خارج عن القانون. ولهذا قد نجد في بعض التنظيمات اعضاء لا دور لهم او حضور سوى الارتباط الرسمي. وهذا الحال نتيجة عمليات التهميش والاستهداف، الذي يعتقده البعض وسيلة للحفاظ على مواقعهم في مواجهة من يرون فيهم قدرة على المنافسة.
وما دمنا جميعاً نصرخ مطالبين بالاصلاح، فإن الاحزاب كما هي الحكومة مطالبة بجدية ومصداقية لحديثها عن الاصلاح. فأحزابنا، او معظمها، تحتاج الى اصلاح في بنية تفكيرها الداخلي، وان يكون في داخلها مساحة حقيقية للرأي والرأي الاخر، وان تتوقف عمليات الاستهداف او توزيع الاتهامات او نصب المحاكم لاصحاب الرأي المخالف، او التصنيف الذي لا يراعي ضميراً ويفتقر حتى إلى مخافة الله او المنطق.
واخيراً، فإن التجارب القديمة والحديثة تؤكد ان اصحاب الاراء الواضحة والمنطقية هم الأكثر وضوحاً في مسارهم، لكن الاستغراق في التطرف، وافتعال المواقف المتشددة، يكون احياناً للتغطية على نقطة ضعف. وربما لدى بعض تنظيمات الساحة الاردنية والعربية نماذج من متطرفين بألسنتهم كانوا هم الثغرة في صفوف احزابهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة