الزيارات واللقاءات التي يقوم بها رئيس الوزراء مع الكتل النيابية، عمل كان يجب ان يتم قبل تشكيل الحكومة، وما يجري الآن ليس اكثر من استدراك. وهي زيارات تمارسها الحكومة وفي داخلها نشوة باقتراب انتهاء ازمتها مع النواب، الذين يفرحهم الأمر بدورهم لأن فيه اعادة اعتبار، بعد حالة التجاهل التي مارستها الحكومة في ايام التشكيل. ولهذا، فإن التصريحات الصحافية لبعض النواب الذين قادوا الحملة على الحكومة تبدو في الاتجاه المعاكس، وبدأنا نقرأ مدائح للرئيس، وهو الذي كان قبل حين مطلوبا رأسه سياسيا.
والملاحظ خلال هذه اللقاءات ان الحكومة تطلق سلسلة من الوعود في كل جلسة ولقاء. فحتى الآن، هنالك وعد بتوزيع اراض على ذوي الدخل المحدود، ووعد بإنشاء نقابة للمعلمين، واتحاد عام للطلبة والغاء التعيين في مجالس طلبة الجامعات، ووضع قانون "عصري" للاحزاب. وكل هذه الوعود جميلة ومطلوبة، لكننا ندعو الحكومة الى عدم الإسراف في اطلاق الوعود، لأن كلا منها يحتاج الى الكثير لانجازه، الا اذا كانت الحكومات تحب ان تمارس ما مارسه السادة النواب من عود يوم كانوا مرشحين.
لكن تصريحات السادة النواب، وتفاؤل الكثير منهم، لم تتوقف عند "تأكيدات" الحكومة بأنها ستقوم برفع كل الدعم المقدم للمشتقات البترولية، وانها سترفع اسعار هذه المشتقات على ثلاث دفعات. فنقابة المعلمين هامة لكنها ليست الاولوية، اذا كانت وعودا سياسية لتأمين تمرير رفع الاسعار. وانتخابات مجالس الطلبة مطلب ديمقراطي، لكنه ليس اهم من لقمة الخبز. ولهذا، فوعود الحكومة في هذه القضايا لا تقايض بتأكيدها رفع الاسعار. ولم نسمع من احاديث النواب الصحفية شيئا عن هذا الامر؛ فالناس لا تريد نقابة معلمين ولا اتحاد طلبة ولا حتى مجلس نواب بمثل اولويات مجالسنا، اذا كان هذا الامر لا يضبط سياسات الحكومة الاقتصادية، التي تعتمد على جيب المواطن وراتبه المحدود المعدود.
وحتى لو اقتنع بعض النواب بالتبريرات الاقتصادية لرفع اسعار مشتقات البترول، فإن الناس من حقها ان لا تمارس هذه القناعة. فعندما كنا نشتري النفط من العراق بأسعار تفضيلية، وكانت تأتينا منحة مجانية بحوالي 400 مليون دولار، تم رفع الاسعار، ولم يكن من حق الحكومات ان تفعل هذا. اما اليوم، فحتى لو كانت الظروف صعبة، فقد ذهبت السياسات الماضية بحق الحكومات في البحث عن مبررات ليفعل النواب ما يشاؤون، وليوقعوا على مذكرات الحجب ثم ليمزقوها، ولينتقدوا الرئيس ثم يرسلوا بحقه المدائح. فالمعيار لدى الناس هو قدرة الحكومات والنواب على تمثيل مصالح عامة المواطنين، وتطوير مستويات حقوقهم السياسية والمعيشية. فالناس ليست مشغولة بأن تختار النخب في عمان وزيرا منسوبا الى محافظة او بادية، بل في ان تجد سياسات حكومية معنية بهموم هذه المحافظة او تلك.
ولعل جزءا من اصحاب التواقيع على مذكرة الحجب يشعرون بالفرح، لأن هذه اللقاءات والتعديل هو المخرج لهم من مأزق الاستمرار في الحجب حتى النهاية، ويتمنون لو ان لقاءاتهم مع الرئيس يتم بثها على الهواء، او توزع على اشرطة مصورة، ليقولوا للناس ان تراجعهم جاء لأن الحكومة احترمت مجلس النواب، وانها تلتقي معه وتشاوره وتطلق الوعود بالرخاء السياسي والاقتصادي للاردنيين.
نتمنى على الحكومة ان ترشّد وعودها، وان تقنن نشوتها، بحيث لا تكرر تجارب حكومات عديدة وعدتنا بالرخاء فجاء عكسه، واخرى وعدت بالديمقراطية فشاهدنا نقيضها. فرضى النواب وثقتهم ليست رضى وثقة الشعب الاردني، حتى وان كان هذا الامر صحيحا من الناحية الدستورية.
واخيرا، فإن الوعد الذي على الحكومة ان تطلقه للاردنيين وتلتزم بتنفيذه هو ان لا تتخذ اي قرار يزيد اعباءهم المعيشية، وان تخفف نسب الفقر والبطالة، وتحفظ للاباء الحق في توفير تعليم لابنائهم بعيدا عن رفع "متدرج" للرسوم الجامعية. فهذا اهم من كل الوعود، وهذا ما يمثل المصلحة الوطنية الحقيقية، اكثر من ترشيحات الكتل النيابية لوزراء وامناء عامين ومديرين وسفراء، ضمن ترتيبات الثقة وتحرير السياسات الاقتصادية القادمة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة