رغم كل الخلافات اللبنانية الداخلية الا ان النموذج اللبناني ما زال يمثل حالة تستحق المتابعة, وتحديدا منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي كان يمثل نموذجا معقولا لتعامل اهل المال والثراء والسياسة مع ساحتهم.
  وتمنينا في مقال سابق ان يكون اثرياؤنا من اهل السياسة والمال الاردنيين حاضرين في حياة الناس عبر مشاريع تنموية او خيرية, لا ان يظهروا فقط في ساعات الذهاب الى السلطة سواء كانت برلمانا او حكومة, وخلال الشهور الماضية ورغم كل التناقض بين قوى الساحة اللبنانية الذي وصل الى حد التخوين احيانا، الا ان الجميع ملتزمون بانتمائهم لوطنهم لبنان, فكلهم لبنانيون وكلهم يجلسون ويقفون ويتظاهرون ويتناقضون سياسيا تحت العلم اللبناني, فكل المظاهرات مهما كان توجهها ترفع ذات العلم, ولغتهم جميعا تتحدث عن لبنان الوطن, وسواء كان المتحدث متهما او متلقيا للاتهام سياسيا وأمنيا فان افق اللبنانيين يتسع لكل اشكال الاتهامات بما فيها الاتهامات بالقتل والخيانة, فالتوتر له سقف, واللغط اقل نسبة مما هو العمل السياسي. وحتى عندما يصل الامر الى الاغتيالات او محاولاتها كما شهدنا خلال الاشهر الاخيرة فان الرد السياسي هو الأهم, فمقتل الحريري جاء بابنه زعيما سياسيا وقائدا لتيار حتى وان كان غير مستعد لهذا.
  ربما تكون الخبرة اللبنانية العميقة وما عاشته لبنان من كوارث وحروب أورث اللبنانيين حكمة والتفافا حول مفهوم الوطن كقيمة مقدسة, ولأنهم عاشوا ظروفا ومراحل تم استلاب قيم السيادة الوطنية فيها, فإنهم يدركون معنى "العَلَم", فهو ليس مؤسسة حكومية بل قيمة وطنية, وهو الذي يعلو كل المظاهرات والمهرجانات والمؤتمرات الصحافية التي يصل فيها الاختلاف حده الأقصى. اللبنانيون ادركوا بحكم معاناتهم مع الاشقاء والاعداء انهم ليسوا بحاجة الى كتاب من وزير الداخلية حتى يرفعوا العلم على مقرات مؤسساتهم واحزابهم, ولا يحتاج رئيس بلدية بيروت الى ارسال موظفيه لحمل اعلام لبنان في مظاهرات المعارضة حتى تظهر هذه الاعلام على شاشات الفضائيات.
  ما يجري في لبنان تمرين بالذخيرة الحية لبقية الساحات للممارسة الوطنية السياسية, وكيفية ادارة الازمات الكبرى التي تبدأ بالقتل لكنها تنتهي الى عمليات ديمقراطية, ولعل القاسم المشترك بين كل القوى اللبنانيين انهم يمارسون العمل السياسي باحتراف, ينتقلون في تحالفاتهم وفق مبررات ومنطق مكشوف ربما نفتقده حتى لدى اكثر من يعتبرون انفسهم محترفي سياسة في بلادنا!.
  ومن المفارقة ان الأزمة السياسية التي عاشها لبنان تزامنت مع مشهد سياسي محدود في ساحتنا الاردنية بين الحكومة وجزء من مجلس النواب ورغم ان جزءا من الأزمة صامت, وجزء آخر عن بعد، وجزء اخير عبر المواجهة التي تمت بين الرئيس والنواب, رغم كل هذا الا ان هذه القضية اربكت كل مؤسسات الدولة, ونسبت اليها تغييرات في مواقع هامة, فضلا عن كل ما شاهده وتابعه الأردنيون من تفاصيل وحيثيات, وشاهدنا سياسيين يعتقدون انهم "اقوى نوع" يضعون قدما هنا واخرى هناك بأداء مكشوف بحيث لم يكسبوا لا هنا ولا هناك , والأهم هو الوقت الطويل والحيرة التي استغرقتنا جميعا في البحث عن مخرج.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة