الرسالة الملكية للحكومة حول مكافحة الفساد عنوان لتوجه جاد، ونية متوفرة للتعامل مع هذه الآفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، العابرة للقارات والمجتمعات. ويبقى الدور الاكبر والاهم على الحكومة، بترجمة هذا التوجه الملكي الى واقع، بآليات وتشريعات وممارسات وقرارات.
فأولى خطوات مكافحة الفساد ممارسة الصلاح في القضايا العامة. وبحكم التجارب، فان الناس تبقى في حالة انتظار حتى يصدر من الحكومات ما يعزز توجهاتها.
وفي عالم الفساد في كل مجتمعات العالم، هنالك الطبقية والطبقات التي تحدث عنها "الرفاق" قديما، والتي يمكن ملاحظتها بسهولة في قصص الفساد وتجاوز القانون. فهناك فساد ومفسدون برجوازيون، وايضا طبقة من الفساد الكادح.
والفرق بين الطبقات هو في طموح وسقف كل منها. فالفساد البرجوازي ساحته العطاءات والتسهيلات والصفقات ذات الملايين، او على الاقل مئات الالوف؛ فهؤلاء لا يقبل احدهم بأقل من مئات الالوف او الملايين "ربما!" من اية عملية. وهم على درجة من السخاء، إذ يعطون شركاءهم الصغار فتاتا او "فساد ترضية". اي ان الفساد البرجوازي يضم في ثناياه طبقة من المفسدين الكادحين، الذين يمارسون ادوارا خدماتية، او يشترى صمتهم، او قد يتحولون الى اصوات او اقلام او ابواق للدفاع عن الكبار او الترويج لهم.
وهؤلاء الكبار يستحقون بجدارة وصف الفاسدين المفسدين؛ فهم يسعون إلى إضفاء الشرعية على اعمالهم بالسلطة او المال، وتمتد طموحاتهم من مرحلة امتلاك الاموال الى السعي إلى امتلاك الحضور والقيادة في المجتمع.
اما "صغار الكسبة" من الفاسدين، فأحلامهم صغيرة، ويقبل احدهم ببضعة آلاف او مئات من الدنانير، او ربما اقل من ذلك. وربما لا يريد احدهم اكثر من ان يسدد دينا او شراء سيارة مستعملة او قضاء سهرات انس. لكن ميزة هؤلاء الصغار انهم صغار في احلامهم وادوارهم، وهم على استعداد لكل المهمات، فالغاية ذات سقف محدود.
ومشكلة اي مجتمع ليست في وجود الفساد واهله، فهذا جزء من الطبيعة البشرية للانسان الذي يمارس الخير والشر، لكن المشكلة في ان يرافق الطبقية في الفساد طبقية في العقوبات والملاحقة، بحيث يسود التمييز من حكومات دولهم. "فالعين الحمراء" والتشدد والقسوة اداة مع صغار الفاسدين، بحيث تجد بعض دول العالم في هؤلاء فرصة لإثبات حديثها عن محاربة الفساد، اما الكبار فلهم الكثير من البكائين، ولمصلحتهم يجري استخدام الحد الاقصى من التسامح. واذا لم تكن قضاياهم معلومة، فالعقوبة قد لا تتجاوز الاقصاء عن الموقع، وربما لفترة محدودة يعود بعدها الى موقع اخر، وقد لا تكون المسافة الزمنية الا لغايات "غسيل الاشخاص"، او لزرع وهم لدى الناس بان الفساد ملاحق، واحيانا يكون المانع سياسيا، حتى لا يقال ان الدول تعاقب رجالاتها.
عندما يرتشي موظف بخمسة دنانير فهذه بذرة سوء، لكن عندما يعبث كبار بمقدرات المجتمع فهؤلاء شجار زقوم، طلعها مثل رؤوس الشياطين. والفساد الاكبر ان تتوجه سهام السلطة الى البذرة بينما تنعم الاشجار بالطمأنينة، المقصودة او غير المقصودة.
الفساد البرجوازي يصل مراحله الكبرى حين تصبح كل الامور والثوابت والاساسيات عرضة للمساومة؛ فنجد في سلطات دول عالم الفساد فسادا سياسيا رفيعا لم يعد في مستوى التجارة والاقتصاد، بل اصبحت المصالح الوطنية وحقوق الشعب سلعة تتم المقايضة حولها. ولهذا، يتوزع المسؤولون بين اطياف الدول؛ فهذا محسوب على دولة واخر على جهاز مخابرات لدولة اخرى. وهكذا يصبح تعيين مسؤول هام قرارا دوليا خاضعا لحسابات الفساد السياسي وليس الكفاءة.
والقاعدة الاساسية في الحياة تشير الى ان من يخون القسم ويبيع المصالح مؤهل لبيع ما هو اكثر من ذلك. ولهذا فالفاسد الكبير في اي مجتمع او دولة يمكن ان يتحول الى فاسد سياسي على حساب ثوابت بلاده، والتجارب والامثلة في دول العالم كثيرة وكبيرة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة