الفساد الانطباعي 

 

سيحسب لرئيس الوزراء الدكتور معروف البخيت ، أنه صاحب قصب السبق بتوليد مصطلح يضاف لقاموسنا السياسي والاجتماعي والصحفي. فقبل أيام وخلال لقاء خاص ضم بعض الكتاب الصحفيين ، نحت الرئيس مصطلح (الفساد الانطباعي) ، للاشارة الى أن المواطن الأردني بات مهجوساً بآفة الفساد ، وأنه يعتقد أن كل ما حوله (فساد في فساد) ، مؤكداً أن هذا ليس الا انطباعا ، لا يبنى على حقائق دامغة.

أعتقد أن البخيت استعار مصطلحه الجديد من دنيا الأدب ، فهناك نوع من النقد الأدبي ، لا يستند على الدراسة المستفيضة العميقة للنص وتفاصيله ، وانما يبنى على الانطباع الأول الذي يتشكل لدى المستمع أو القارئ. فعندما تسمع قصيدة أو مقالة أو خاطرة ، تتكون لديك انطباعات حول جمالياتها ، أو مكامن ضعفها وقبحها ، ولكن هذا الانطباع لا يعول عليه في دنيا الحقيقة ، كون الناقد العادل يتكئ على التمحيص والتحقيق وارجاع البصر كرتين ، ليصبح مخولاً باطلاق الحكم العادل.

ربما يحق لنا أن نهجس بالفساد الانطباعي ، وأن يتحول لدينا الانطباع الأولي الى ما يشبه القناعة الأكيدة الصارمة. بل يحق لنا أن نصاب بـ(الوسواس القهري للفساد) ، لأننا تعودنا أن نرى فساداً ، ولا نرى المفسدين ، وأن نسمع عن مكافحة الفساد ، ولا نرى الفاسدين وبلاويهم وهبابه وأن تبقى قيد التكتم ، كون. فهم يضربون ويهربون ، ويخرجون خرج الشعرة من العجين. أليس هذا بكاف ليتشكل لدينا انطباع يشبه الحقيقة؟،.

نعلم أن مكافحة الفساد تحتاج لطول نفس ، وأناة ، وصبر وتحقيق وتدقيق وتمحيص ، ولكن هذه الأمور لا تعني المواطن الذي لا يتحذ طريقة النقاد الكبار في قراءة النص الأدبي ، بل تكفيه الاشارات لتتشكل لديه انطباعات تتحولت الى قناعات ، ان لم تجد حقائق تبطل مفعولها وتجلي تفاصيلها. فالقناعات تتشكل في ظرف زمني قصير ، ولكنها تصبح في تضاريس ذاكرتنا جبالاً صعبة الزوال.

وكخطوة على الطريق ، سرني رئيس هيئة مكافحة الفساد حين كشف عن بدء تحقيقات مع وزراء سابقين وشخصيات تتولى حالياً مناصب عليا وأخرى سبق أن تولت مناصب هامة متورطين في قضايا شبهات فساد ، وهذا لن يزيل حالة الفساد الانطباعي من رؤوسنا ، ما لم ترافقه أدلة حية محسوسة ملموسة. فهل نراها؟؟،.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية