نور من «الأردنية» 

 

من باب (من لا يستحسن الحسن، لا يستقبح القبيح). وكما أبيح لنفسي، أن أشير إلى مواطن وبواطن الخلل والفساد، فإنني ملزم أن أجنح إلى النقط المضيئة في حياتنا. وأشهد أنني مقل بهذا المنحى، لخشيتي أن أقع في مطب تفسيرات أقلها أن الجميل، لا حاجة إليك أن تشير إليه، أو أن تبرزه، وتضيع مقالة عليه. ثم أنه من واجب الناس أن يبدعوا، ومن غير الضروري أن يتلقوا الثناء على ذلك.

في دنيا الفن، هناك لوحة شهيرة تسمى (خطيئة القديس)، وهي صفحة بيضاء بالكامل، في منتصفها نقطة سوداء صغيرة. وإذا تعمقت بقراءتها، ستوحي إليك أنه مهما كانت أعمالك بيضاء ومشرقة، فكثيرون لا يلتفتون إلا إلى النقطة السوداء في حياتك. فهكذا الدنيا. فاللافت دوماً ما هو وأسود، كخطيئة القديس، التي تنسينا فضائله.

بفخر سأكتب عن الآنسة (نور الحاج بدّار)، وهي مساعد تدريس لأغراض الإيفاد في قسم العلوم الحياتية الجامعة الأردنية. فمنذ سنة تتاح لي الفرص كي أمحص رسائل وأطروحات جامعية، قدمت في مختلف الكليات. ولفتني حجم الإبداع في بعضها، ومدى التفاني في البحث الذي يبديه بعض طلبتنا. فهم يعملون بكامل قلوبهم وعقولهم. وأتساءل: لماذا تظل نتائج تلك الدراسات حبيسة أرفف المكتبات؟. لماذا لا تخرج لتسهم في تنمية مجتمعنا؟.

نور البدّار، حصلت بتفوق على درجة الماجستير، عن مشروع بحثي يدرس تأثير جرعات منخفضة على مادتي (الميرسين والثيوجون) على الجرذان المصابة بداء السكري. ولأنك حين تبحث بكل قلبك وعقلك، فإنك قد تكتشف أمراً آخر ذا أهمية، غير الذي كنت تبحث عنه، فهذا ديدن البحث العلمي. ولهذا فقد اكتشفت نور أن مادة الثيوجون المستخلصة من نبتة (المريمية) تسهم بتصحيح معدلات الكوليسترول والدهون الثلاثية. وهي نتيجة قد تبنى عليها صناعات دوائية تفيد الإنسانية، وبالفعل سُجلت النتيجة كبراءة اختراع للباحثة.

نور تقول إنها كانت تخاف الجرذان، ولا تجرؤ على النظر إليها، ولكنها في بحثها كانت تقضي الساعات الطوال معها، مصممة على الخروج بنتائج تفيد الإنسانية. وترى أن لديها حلماً. وكم يشعرني بالفخر كل طالب أو باحث يمتلك حلماً. فكل شيء لا يبدأ بحلم، لا يعول عليه. فتحية لنور ولأساتذتها وجامعتها. فأمنيات التوفيق لها وهي تتهيأ للطيران لأمريكا لنيل الدكتوراة، متفائلين بعودتها سالمة غانمة باكتشافات باهرة تحسب لنا.

نحن لا ينقصنا شيء، كي نسهم في عجلة الإنسانية.

وهذه تحية كبرى لكل نور في كل جامعاتنا ومعاهدنا ومصانعنا. تحية لأولئك الذين يعملون بصمت النمل.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية