رأس (بديع الزمان) 

 

لا أستغرب أن يتخلى الأدباء الذين كانوا «يرطلون» لغاليغ القذافي، ويمسدون «كشته»، ويزينون له الباطل حقاً، والهبل إبداعاً. لا أستغرب أن يتخلوا عن جوائز نالوها من بركاته (طبعاً يتخلون عن الجائزة رمزياً، لأن قيمتها المادية شرشت في بطونهم)، فعندما يكون الطاغية في هزيعه الأخير، يسعى الجميع للقفز من سفينته الآيلة للغرق. حتى الجرذان التي كانت سبباً في ثقبها.

لا أريد أن أحاكم هؤلاء الآن لكنني سأسأل: هل ما زال الأدب ضميراً حياً للأمة والناس؟ أي هل على هذا الأدب أن يكون حاملاً لبذرة التمرد على الطغيان كي يعطي شجراً وارفاً تتظلل به الأجيال بحرية وعدل؟. أم أن الكتاب والأدباء الذين يدخلون في معطف السلطات يصبحون بلا رؤوس وكتاباتهم تغدو مسوخاً كتابية لا أكثر؟.

وهل علينا أن ندق ناقوس الخطر؟، ونطرق بالأيادي المضرجة بالدماء والوجع جدران الخزان، كلما غابت قضايانا المصيرية عن مداد أقلام من تصورناهم نبضنا الحقيقي؟، وهل علينا أن نتحسس رؤوسنا، كلما تحول أديب إلى كائن مدجن ليس له صوت بل هو صدى، يوجه بالريموت كنترول، أو بغمزة العين، أو بركلة، أو بهدية من تحت السجادة؟.

مات شاعرنا العظيم طرفة بن العبد مقتولاً، وهذا متوقع، بسبب جرأته في النقد، وحدة لسانه، وكذلك دفع «بديع زمان الهمذاني»، صاحب المقامات الشهيرة ثمن تمرده، وسخريته من أهل عصره، فدفنوه حياً، لكنهم عندما فتحوا قبره بعد أيام، وجدوه جالساً، وقد أسند رأسه بيديه. ربما كان الرأس مثقلاً بالكثير من الأفكار الخلاقة، التي قبرت معه. للأسف.

قد يحدث تقارب بين الأدب والسلطة، ومن المناسب أن نتذكر أن عبد الناصر كان يفخر بأنه طرد وزيراً من أجل مفكر. فعندما أقدم وزير المعارف على فصل توفيق الحكيم من عمله، انتهى الأمر بفصل الوزير نفسه، لكن هذه الحال ليست دائمة، فالمزاجية هي ديدن الطغاة. فلينين كان يحاور مكسيم خوركي الأديب الشهير ثم يأتي وزير ثقافته ويصادر أعمال دستويفسكي .

ومع هذا سيبقى هناك من يخافون على أدبهم ونتاجهم وإبداعهم من التقرب قيد أنملة من طغاة العالم أو الدوران في أفلاكهم لهذا تراهم قد ينغمسون في عزلتهم وصومعتهم رافضين أن ينخرطوا في طرب السلطة وهيلمانها، مع أنهم يعانون قلة ذات اليد لهؤلاء تحية إجلال وتعظيم.

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية