كلما اجرت حكومة تعديلاً على تشكيلتها تذكرت مباريات كرة القدم، وحق المدرب في اجراء ثلاثة تبديلات، يمارسها حسب خبرته وذكائه وحاجته. فأحياناً نجد مدربين يجرون تبديلا في فريقهم يكلفهم خسارة المباراة حين يكون الامر غير مدروس او لنقص خبرة. واسوأ اشكال التبديلات ما يسميه اهل الاعلام الرياضي "التبديل الاضطراري"، الذي يتم نتيجة اصابة لاعب هام، لكن المدرب يضطر إلى الاستغناء عنه وخسارته وخسارة فرصة للتبديل. أما اسوأ انواع هذا التبديل الاضطراري فهو ان يتم في الدقائق الاولى من المباراة, تماماً مثلما هو حال الحكومة، التي اعلنت بعد ايام قليلة من خروجها إلى الحياة، انها بحاجة إلى التعديل. وكان هذا اعترافاً بان هناك خللاً، ليس في آلية التشكيل بل في اساسياته.
ولان الطريقة التي يتم فيها تشكيل الحكومات وتعديلها ليست سياسية بالدرجة الكافية، وتخضع لمعايير اخرى، فان مواسمها لا تثير الدهشة الا لمن يهمه الامر, لكن التحدي امام اهل القرار والسياسة وهم يبشرون بالاصلاح على انواعه، ان يجعلوا من هذا الحراك الاداري، من تعديل وتشكيل، حالة سياسية، وان يجبروا المواطن على الاقتناع بضرورة البحث عن السبب السياسي او المهني الذي جاء بفلان رئيساً او وزيراً، والذي جعله يخرج من الحكومة ويغادر موقعه بعد شهرين او ثلاثة من أدائه اليمين. فهل هو انقلاب في كفاءته، ام غياب المعيار، ام ان سياسة "التحزير" ونهج حل الكلمات المتقاطعة، يكون حاضراً عند بعض اهل السياسة وهم يمارسون البحث عن البدائل؟
التعديل الذي جرى امس افقد الحكومة مبكراً احدى فرصها في تعديل مسارها
, فالتعديل محطات تُعطى للحكومات لتقوية صفوفها، او لاستعادة تماسكها اذا نشب خلاف بين بعض اركانها، او للاستغناء عمن لا يقدم اداء مناسباً. وهذه الفرصة تمارس بعد عام او اقل قليلاً على مسيرة كل حكومة، اي بعد ان تكتشف عيوبها. لكن التفريط بالفرصة بعد اقل من ثلاثة اشهر له دلالة غير مفرحة لأية حكومة.
ولعل بعض القوى النيابية، بمن فيها ادارة مجلس النواب، التي شعرت بالتهميش اثناء تشكيل الحكومة وكانت تتابع الاخبار عبر الهواتف و"الوشوشات"، لا يهمها الكثير مما في التعديل سوى تلك الاخبار التي ينشرها الاعلام عن مشاورات ولقاءات وزيارات الى البيوت والرئاسة، والتي تريد هذه القوى منها الشعور بالهيبة والحضور اكثر من قناعتها بالتعديل كعملية سياسية.
وحتى السادة "نواب مذكرة الحجب" الذين تبنوا بياناً من عدة نقاط اقلها التعديل الجغرافي، وتحدثوا عن اصلاحات سياسية، فان الكثير منهم يشعر بالفرح لان التعديل وما سبقه من جلسات كان مخرجا من "الحجر الكبير" الذي رفعوه واكتشفوا انه اكبر حتى من المرحلة. ولهذا سنجد في هذه المجموعة النيابية من يرى في التعديل انتصاراً سياسياً، كما رأى البعض استقالة وزير المالية انتصاراً رغم انها كانت غير ذلك.
ثلاثة أشهر ضاعت من عمر هذه الحكومة دون عمل حقيقي، سوى الانشغال بهذه الازمة, وهذا الهدر لا يتناسب مع ما يقوله المسؤولون حول الحاجة الى كل الجهود لمواجهة الظروف الصعبة. ومنذ اعلن الرئيس، في بداية نيسان الماضي، نيته اجراء التعديل، عاشت الكثير من الوزارات حالة جمود في اداء الوزراء، وزادت هذه الحالة عندما اصبح الحديث عن تعديل موسع. وهكذا، فلم نحقق الكثير، ولم تبدأ الحكومة برنامجها، وسيكون عليها هدر اسابيع قليلة قادمة في معركة الثقة، ومحاولة تمرير القرارات الاقتصادية برفع الاسعار. وكل هذا يعني كلفة سياسة وادارية ومالية تتحملها الدولة.
ما نتمناه على الحكومة ان لا تمارس ما مارسته حكومات سابقة؛ إذ نظمت مساومات شخصية مقابل الثقة او تمرير قرارات اقتصادية. ونتمنى على السادة النواب ان يكونوا اكثر ترشيداً في استخدام الخطابات في جلسة الثقة، وأن لا تتكرر تجارب سابقة بشتم ونقد الحكومات ثم منحها الثقة بأرقام قياسية.
لن نتوقف عند اسماء "الخارجين" و"الداخلين" من والى الحكومة، فالعبرة في السؤال المركزي والسياسي: لماذا جاؤوا اولاً، ولماذا خرجوا الان، ولماذا جاء وزراء التبديل الاضطراري؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة