استقالة النائب خليل حسين عطية احتجاجاً على التعديل الوزاري، وما أسماه غياب العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، اشبه بمن يطلق الرصاص على ابنه لانه رسب في امتحان الرياضة او الفن، بينما يكون هذا الابن قد رسب في عدة صفوف دراسية دون عقاب.
ومن الناحية السياسية، الاستقالة حق دستوري وسياسي، لكن القضية ليست في هذا الجانب بل في القدرة السياسية على استخدام هذا الحق والتوقيت. فالتعديل الاخير ليس كارثة او اختراعا على صعيد اسس الكفاءة والعدالة، وما جرى في عهد هذه الحكومة جرى في عهد حكومات سابقة منحها النائب المستقيل الثقة واقام معها علاقات حسنة. وحتى في عهد هذه الحكومة، فإن الاستقالة كان يجب ان تتم في بداية تشكيلها وليس الان، ولهذا فالفرق في استخدام السلاح السياسي يعود الى الخبرة والتوفيق من الله تعالى.
وليسمح لنا الصديق النائب ابو حسين ان نسمعه ما يتردد في اوساط عديدة، من ان هذه الاستقالة ليست "من راسه"، وانها احدى الادوات التي يستعملها احد خنادق خصوم الحكومة في الضغط عليها والحاق مزيد من الارتباك في صفوفها. ويربط البعض بين البيان الذي اصدره النائب المستقيل في مساندة وزير المالية السابق عند استقالته، وكان اشبه ببيان تأبين لحال الاردن بعد استقالة الوزير! إذ يعتقد هذا البعض ان خطوة النائب بالاستقالة احدى تعبيرات القوى المخاصمة للحكومة، والتي تسعى الى ايصالها الى مرحلة الانهاك فوق ما تعانيه من ضعف وازمات.
والاستقالة من الناحية العملية ليست ممكنة، لكنها خطوة يكسب النائب ثمنها شعبياً، بخاصة اذا كان نائباً عن منطقة شعبية كما منطقة النائب المستقيل، حيث تؤثر في الناس مواقف البطولة والانتفاضات السياسية، مع علم النائب ان الاستقالة لن تذهب الى مداها الاخير، لان التدخل من الزملاء والجاهات وتطييب الخواطر سيضاف الى القيد الدستوري الذي لا يجعل الاستقالة نافذة الا بعد موافقة المجلس عليها. فما يراد هو البيان والصدى الاعلامي والسياسي والشعبي، وهو عمل مشروع لاي نائب.
وربما تكون هذه الاستقالة مبنية على قناعة جاءت بها معلومات او تحليلات بأن احتمالات حل مجلس النواب ممكنة بعد الانتهاء من عمل الاجندة والاقاليم، ووضع قانون انتخاب جديد. وبهذا تكون الاستقالة جزءاً من الحملة الانتخابية القادمة، بخاصة وان النائب المستقيل في سباق نفسي مع مرشحي جبهة العمل الاسلامي وخصوم اخرين، ولهذا يصر على القول انه حصل على حوالي 20 الف صوت ليدلل على اتساع دائرة الاستقالة. وهذه الاستقالة قد لا تختلف في تفسيرها، في سياق هذا السباق، مع ما جرى في الجلسة الاولى الخاصة بالقسم، عندما بادر ابو حسين، وهو يحمل الرقم النيابي رقم واحد بحكم دائرته الانتخابية واصواته فيها، الى فعل ما توقعه من النواب الاسلاميين.
وبشكل عام، يعاني الاداء النيابي من تقلبات ومسارات غير متوقعة احياناً. ومهما تكن الاسباب والدوافع، فإن اي حراك سياسي امر ايجابي، وربما يكون متوقعاً مع دخولنا ابواب العام النيابي الثالث، أو لانهم شاهدوا حكومات ووزراء عاديين في القدرات والامكانات، واكتشفوا ان "الباشا زلمة"، وبدأ العديد من السادة النواب في البحث عن حضور يتناسب مع موقعهم كنواب، وان ما ينفعهم يوم لقاء الناس في الانتخابات القادمة هو "عمله الصالح" وليس مجاملة حكومات او التمرير لوزراء ليسوا بأفضل منهم قدرة وكفاءة. ولعل نسبة من النواب تتمنى ان تحصل على اجازة دون راتب خلال الشهرين القادمين، الى حين الانتهاء من قضية الثقة بالحكومة والقرارات المتوقعة برفع اسعار المشتقات النفطية، فهذه المواسم لم تعد صعبة على الحكومات فقط، بل وعلى ممثلي الشعب الذي تنزل عليهم هذه القرارات، ويهبط عليهم الوزراء من عالم الغيب.
واخيراً، نقدر للنائب المستقيل حساسيته الايجابية بمنع الصيد الاقليمي في استقالته، لكن هذا لا يلغي البعد السياسي. فالعدالة وتكافؤ الفرص مطلب الجميع، وليس مشكلة دائرة انتخابية واحدة او فئة اجتماعية دون اخرى، لكن توقيت اعلان الحرب لمصلحة العدالة يكون ضمن حسابات، او ربما خطوات، في اتجاهات اخرى.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة