أين طزاجتنا؟؟ 

 

أتعاطف مع شعب اليابان الصديق، وأكبر فيه هذه الطزاجة والإنضباط والحيوية، حتى وهو يواجه أعتى المحن الطبيعية بكل ظلالها ومخلفاتها. ويبدو لي أن (للسوشي)، وهو الطبق الشعبي في اليابان، وفلسفة إعداده، تأثيراً كبيراً في نفسية هذا الشعب العريق، الذي نتمنى له أن يخرج من أزمته معافى.

وسأستخدم مهاراتي المطبخية، لشرح طريقة تجهيز (السوشي). فهو يعد من الأرز المخلل، بعد تغطيته بشرائح نيئة منزوعة الجلد من سمك التونة، وأحياناً يلفّ هذا الأرز بحشوات من المأكولات البحرية أو الخضروات أو الفطر أو بيض السمك (البطارخ)، وتغلف اللفافة بورقة رقيقة من الأعشاب البحرية للتماسك، ولإضفاء نكهة فريدة.

ولأن اليابان شعب طازج، فهم يحبون الأسماك طازجة، ولكن المياه القريبة من شواطئهم لا توجد فيها أسراب التونة، لذا خصصت شركات الصيد سفناً كبيرة تبحر إلى أعالي البحار. إلا أنها تحتاج عدداً من الأيام؛ لتعود للشاطئ؛ مما يجعل الأسماك المصطادة تصل الأسواق غير طازجة، فلا تروق للمستهلك الذّواق.

وللتغلب على هذه المشكلة، فقد زُودت السفن بمجمدات، ولكن هذا الأمر لم يعجب المستهلك الياباني، الذي يمييز السمك الطازج من المجمد، ولأن الحاجة أم الاختراع فقد فكرت الشركات بحل لإرضاء زبائنها، فزودت سفنها بخزانات مياه لإبقاء الأسماك، التي يتم اصطيادها حية حتى العودة، وبيعها طازجة, ولكن من المعروف أن هذه الأسماك بعد فترة قصيرة من سجنها في خزانات الماء تبدأ بالتوقف عن الحركة.

ومع هذه الحيلة التكتيكية إلا أن المستهلك الياباني (الصعب المزاج) استطاع تمييز طعم السمكة التي تتوقفت عن الحركة، ولم يجد فيها الطعم الذي يريده بسبب الفتور الذي يصيبها في الخزانات. الأمر الذي جعل اليابانيين يتوصلون إلى حل مبتكر فوضعوا في كل خزان (سمكة قرش) صغيرة، تقوم بالتحرك والدوران والهجوم، ورغم أنها تتغذى على بعض الأسماك، لكنها تبعث الحيوية في البقية، فالأسماك مجبرة أن تظل تتحرك وتدور إلى أن تعود السفينة إلى الشاطئ؛ ولهذا فسيبقى مذاقها طازجاً، وكأنه تم اصطيادها للتو. يحيا الذكاء.

من يراقب حيوتنا ونشاطنا وفعاليتنا، يجدها في الحضيض. ويجدنا وكأننا متعبون، خائرو القوى، مصابون بفايروس الملل والكسل، فحركتنا بطيئة خافتة خانسة، مع أننا يجب أن أكثر شعوب العالم طزاجة وحيوية، لأننا دوماً نلهث وراء رغيف (حاط خامس وشافط). والأهم أننا تطاردنا وتلاحقنا وتلتهمنا أسماك القرش البرية والجوية من جهاتنا الستة. فأين طزاجتنا، إذن؟.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور