دماغ العالم الجديد
عندما طلب امبراطور الصين من أحد علمائه أن يخترع له لعبة تحترم ذكاء وتفكير الإنسان، ولدت لعبة الشطرنج. وبعد أن راقت له اللعبة، وراجت في البلاد، قرر أن تلغى كل المعارك الطاحنة بين الناس، وتتحول إلى مباريات بالشطرنج، والفائز يأخذ ما يريده من الخاسر. أما في عالم اليوم، فيبدو أن الكرة (لحست) مخ العالم، وحلت مكان عقله.
فعندما نرى كل هذا الشغف والجنون بكرة القدم وعالمها. وعندما يستطيع بعض شبابنا أن يذكروا أسماء فريق برشلونة او ميونخ (كرجة مي)، وبالإضافة لأسماء جيرانهم وألقاب زوجات أخوالهم، وهم يتلعثمون بأسماء محافظاتنا، أو بأسماء قادتنا وتاريخ مِحَنِنا. وعندما تستطيع مباراة كرة قدم أن تفرض حظر التجول في مدننا. عند هذا يخطر ببالي المثل السوداني الذي يقر بأن أقصر طريق للثراء والشهرة (أن تدق كفراً، أو أن تضرب وتراً) أي أن تلعب كرة، أو تعزف على آلة موسيقية.
وكما يحق للقرعاء أن تتباهى بطول جدائل ابنة خالتها، وكما يحق للعمشاء أن تتفاخر بالعيون اللوزية الدعجاء، لابنة أخت زوج ابن عمتها، فيحق لبعض شبابنا أيضاً أن يلبسوا قمصان ريال مدريد، وبرشلونة، وأن يرسموا أعلامهم على الوجوه، ليشاركوا في الكلاسيكو(الاسم الحركي للقاء الريال مع برشلونة) بطريقتهم الخاصة، ويحق لهم أيضاً أن يفتعلوا المشاجرات ويتباروا بإطلاق الشتائم العابرة للحارات أو القارات. يا وجعنا
.
ويعتقد أن الإنسان الأول كان يطارد فريسته بشكل جماعي وعشوائي، وبعد مرور ملايين السنين، لم يحدث كثير من الاختلاف، فما زلنا نطارد صيدنا بشكل جماعي، ولكنه أكثر تنظيماً، وهذا الصيد الثمين تغير شكله وحجمه ولونه، وأصبح بهيئة كرة صغيرة تتقاذفها الأقدام، ولهذا نتطاير فرحا كلما أحرزنا هدفاً في المرمى، فكل هدف ليس إلا فريسة مفترضة.
ولربما أن الموسيقى والرسم وخرير الماء، وحفيف الشجر، وبريق النجوم، فشلت كلها أن تكون لغة مشتركة للعالم الكبير الذي يجمعنا. في الوقت الذي نجحت فيه هذه الكرة المجنونة أن تصبح لغة موحدة تنطق بها كل الأقدام (إنه عالم يفكر بقدميه) | .
فمملكة كرة القدم غدت المملكة الوحيدة، التي لا تغرب عنها عباءة الشمس، وكل شيء صار في خدمتها وطاعتها: السياسة، الأدب، الصحافة، السياحة. وسأسأل: هل تخدمنا الرياضة وتهذب من شراسة قروش العالم وبطشهم؟ هذا هو الأصل. ولكن ما يحدث هو العكس | | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
|