أم السماق 

 

عندما كتبت العام الماضي عن شجر (كستناء الحصان) المدهش في الشميساني. اتصل بي رجل يسكن المنطقة منذ عشرين سنة كما قال، ولكنه لا يعرف أين تلك الأشجار، وما شكلها؟، وكيف تنوّر؟. الأمر الذي جعلني أرشده صوتياً حتى قبض على ساق الشجرة، في شارع عبدالحميد شرف. وعندها تنهد: أتعلم؟، هذه أول مرة أشعر بوجودها.

نحن في العادة، لا نرى الأشياء، إلا حين تأفل، أو تغيب، فلا نشعر بوجود الأشجار، إلا إذا أكلها شارع جديد مثلاً، أو اجتاحها صندوق اسمنتي ضخم. نحن يقتلنا الاعتياد والروتين، فلا نعيش بدهشة، ودماء متجددة. ولهذا تصبح حتى الأشياء الجميلة عادية في عيوننا. ووحدهم المحظوظون يعرفون في كل صباح أن عليهم أن يعيشوا يومهم وكأنه اليوم الأول لهم على متن الأرض.

ما زلت أضحك من قلبي كلما تذكرت مذيعة أقسمت على الهواء مباشرة بأنها للمرة الأولى تعرف أن (السماق)، الذي يخضّب طبق المسخن ويزيّن صحن الحمص، والبابا غنوج، ويطيب المقالي، تعرف بأنه مستخرج من شجرة. ربما كانت تعتقد بأنه مستحلب من عصارة النجوم (السوبر نوفا)، أو من الياقوت الأحمر البري. ولكني ضحكت أكثر بعد أن عرفت أن المذيعة تسكن (أم السماق)، أو بجوارها.

قبل عامين لم يؤخذ بإقتراح قدمته إلى مؤسسة تعنى بشؤون الشباب، بموجبه يتم أخذ أبنائنا إلى الطبيعة بصحبة خبراء ومختصين، ليعرفوهم على تفاصيلها وأشجارها ونباتاتها وطيورها، فغالبية أبنائنا يكبرون وهم لا يعرفون من النزهات، إلا منقل الفحم، والهش والنش، وتجهيز الأراجيل، وتحماية الطبلة، فهم لا يميزون بين السنديان والبيلسان، أو بين الدحنون والأقحوان، ولا يعرفون السوسنة السوداء، التي هي زهرة الأردن الرسمية. ما لونها؟، ما شكلها، كيف تعيش؟.

نحرص أن يكون لأبنائنا صفحة فاعلة على (الفيس بوك)، وأن يكونوا ضليعين في تدمير جيوش العاب الكمبيوتر، ونفخر أنهم يعرفون أسماء جدات وأزواج خالات لاعبي فريقي ليفربول الأساسيين منهم والإحتياط، وأنهم يحفظون النشيد الرسمي لفريق ريال مدريد أكثر من نشيد موطني، أو قصيدة وادي الشتا، لكننا ننسى أن نعرفهم إلى تراب الأرض، ونباتاتها وأشجارها، وأن نشربهم تفاصيلها ومواسمها وجمالياتها.

كيف سنجعل أولادنا يضربون جذوراً عميقة في الأرض وحبها وعشقها، ما دمنا نساعدهم، وبغير ما نشعر أحياناً، على الولوج في ثقافة قشور لا تغني في سجل الحضارات شيئاً، ولهذا سيكبرون بلا ثقافة أرض واعية حقيقية. فجميل أن نواكب الدنيا بتطوراتها وعلومها ومعارفها، لكن علينا أن نبقي جذورنا في أرضنا.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية