نظرية الصمصامة 

 

في تراثنا الشعبي أن بائع رماح ودروع، كان يطوف المدن والقرى والبوادي مروجاً لبضاعته. وفي محاولته اللافتة لإثارة اهتمام الناس بها وجلب انتباههم، كان يمسك درعاً من دروعه، ويعرضه بفخر وتعال وهو ينادي صائحاً: إنها درع قوية، مزرّدة، أقوى من الفولاذ المسقى، تحمي الصدور، وتقي الظهور، ولا تستطيع الرماح اختراقها، إنها دروع تفلُّ السيوف، وترتد عنها رشقات السهام، وتحمي الأبطال يوم الوغى.

وبعد أن يبيع كامل بضاعته من الدروع، كان يمسك برمح من رماحه، ويعرضه صائحاً منادياً: إنه رمح متين، فاتك، يخترق الدروع، كما تخترق السكين قطعة الزبدة، ولا تصمد أي درع أمامه، ولهذا كان الناس يقبلون على الشراء وهم يتصورون أنهم تسلحوا بدروع لا تستطيع الرماح اختراقها، وحملوا رماحاً تخترق كل الدروع، وأصبحوا في مأمن من عاديات الحرب.

ذات مرة سمع أحد الحكماء هذا التاجر ذا الجناحين الذي روج لدروعه ورماحه، بكلماته المغرية، فنظر إليه ساخراً: ماذا يحدث يا سيدي لو أننا صوبنا رماحك إلى الدروع التي تبيعها، هل تخترقها أم لا؟، فبهت التاجر، ولم ينبس ببنت شفة، ومضى يبحث عن أولئك الذين يتقبلون البضائع ولا تخطر ببالهم مثل هذه الأفكار.

لو كنت مكان التاجر الجوال لأجبت الحكيم جواباً مفخماً، ولقلت له كما قال (عمرو بن معدي كرب الزبيدي)، فهو فارس مشهور كان يملك سيفاً يُلقب (الصمصامة)، وذات مرة أراد أعرابي أن يجرب السيف ويختبر قوته، التي راجت في الصحراء، فأمسك به وضرب جذع شجرة، فلم يترك فيها أثراً، فقال لعمرو ساخراً: يقولون إن سيفك قاطع، وها هو لم يفعل شيئاً. فقال عمر: قوة السيف في قوة اليد التي تحمله. وأنت أخذت السيف، ولم تأخذ اليد التي تضرب به.

لن تخدعنا عبارات الترويج والتدليس والإعلان عن كل القوى والقوى المضادة، ولن تأخذنا أقوال الذين يعتقدون أن دروعهم أقوى من كل سيوف الأرض. وكذلك لن تخدعنا أقوال الذين يظنون أن قوانينهم لا تخرق. لأننا نؤمن أن القوة ليست في سيف أو درع، بل في اليد التي تحملهما.

فهل هذا ينطبق على الإصلاح والتنمية ومكافحة الفساد وعجلة التقدم، فالقوانين موجودة، ومضاداتها أيضاً متاحة، وتبقى العبرة في الأيادي التي تقوم عليها؟؟.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية