لعلنا جميعا نتذكر حادثة ام الاطفال التي عثر بها الفاروق عمر بن الخطاب وهي تضع قدراً او وعاء على النار وتحركه لتسكت به جوع اطفالها حتى يناموا. ولو بقيت تلك السيدة تطبخ الحصى حتى الصباح لاستيقظ اطفالها وهم يحملون جوعهم في عقولهم قبل بطونهم، فطبخ الحصى لا يقدم للاطفال طعاماً، حتى وان حمل شكليات عملية الطبخ، من نار ووعاء وطباخة وماء يغلي ويتصاعد بخاره، فالعبرة في المضمون، لكن تلك السيدة لم تجد وسيلة لتحتال على جوع اطفالها الا بطبخ الحصى.
وطبخ الحصى يعني سياسياً، وحتى فيزيائياً، انعدام المخرجات والنتائج. ولهذا، فقد يعيش الناس مراحل سياسية توقد فيها النيران، وتوضع القدور على النار، ويتصاعد بخار الماء، ويكثر الهرج والمرج والصخب حول "الطبخة" لكنها ليست الا وسيلة للتسلية او اثارة الاهتمام باتجاه يريده الطباخون. واحياناً، يكون الطبخ ملهاة وعبثا بعقول الناس او لاستغفالهم، اوعلى الاقل محاولة فعل ذلك.
فهنالك احزاب وحكومات تقضي سنوات، وربما عقودا، وهي لا تفعل اكثر من طبخ الحصى. وربما تتقن بعض هذه الجهات عملية الطبخ باضافات واكسسوارات. فطبخة الحصى، سواء أكانت على النار او الغاز او عبر الطاقة النووية او طنجرة الضغط، تبقى محصلتها واحدة ونتائجها معدومة. ولا عجب ان تجد حزباً يمضي عشرات السنين في الوجود على الساحة ولا يزيده مرور السنوات الا تناقصاً في الحضور والعدد، وتفككاً في بنيته عبر تزايد الامراض والاوبئة السياسية والاخلاقية.
تمر على الناس احياناً حكومات تملأ الاجواء صخباً ووعوداً واوراقاً وخططاً، لكن المحصلة قليلة او لا تكاد ترى بالعين المجردة. وكلما اكثرت اي حكومة من الانشاء والعلاقات العامة والتحركات الشكلية، كان هذا مؤشراً على غياب الجوهر. واحياناً تكثر كمية المياه في الوعاء، ويكثر من "يوزون" تحت النار، لكن هذا لا يغير من مضمون ما يجري، فالوعاء ليس فيه سوى الحصى، التي، حتى لو تعرضت لغلي شديد، فانها لن تكون طعاماً يسد الرمق ويقتل الجوع.
من يتفنن في طبخ الحصى لا يملك اكثر من ذلك. وعندما يتحول هذا "العِلم" الى نهج يتكرر، وتتوارثه الحكومات والاحزاب والهيئات المختلفة، يكون هذا احد اسباب زراعة اللامبالاة لدى الناس، واستنزاف مصداقية ممارسي الطبخ ايا كانت شعاراتهم وبرامجهم والالقاب التي يحملونها.
واحياناً يتابع الناس ازمة سياسية او خطة اقتصادية، او ما يسمى حراكاً سياسياً ومشاورات، ويعتقد من لا يعرف ان وراء هذه الامور افرازات حقيقية، لكن المفاجأة لهؤلاء ان كل هذه "الطبخة" لم تكن اكثر من طبخة حصى، لا يمكن ان تسد جوعاً! واولى خطوات معالجة هذا ان يُلقى بمحتويات الوعاء، من ماء وحصى، واستبدالها بالطحين او الارز او "البيتزا"، تماماً مثلما فعل عمر بن الخطاب، الذي جاء بالطحين والسمن والتمر فأكل الاولاد الجياع. وان لم تفعل الحكومات والاحزاب والهيئات المحترفة لطبخ الحصى مثلما فعل عمر، فسنبقى في حلقة مفرغة، نتوارث المشكلات ونمضي اوقاتاً طويلة في تشخيص احوالنا رغم علمنا بها، ونحب الجدال والبيانات والخلوات والمذكرات والمشاورات لذاتها، وليس باعتبارها آليات للعمل والانجاز.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة