مفاهيم الاصلاح والانفتاح والتحديث والديمقراطية تختلط في اذهان البعض بشكل متعمد ومقصود، كما انها تختلط لدى البعض الآخر نتيجة ضعف الثقافة وهشاشة التكوين الفكري والسياسي. لكن الجزء الاول هو الاكثر خطورة، ويرى في اجواء السعي نحو الاصلاح والانفتاح مناسبة لتمرير ما يناقض ثقافة الناس وعاداتهم، وربما يكون الطموح استهداف الهوية الثقافية والسياسية للمجتمع والدولة.
ويذهب هؤلاء الى حد التهوين والتسخيف لمفردات الحضارة والثقافة، والسخرية من المؤمنين بضرورة الهوية. ويتناسى هؤلاء ان حالة اللاهوية، او السعي إلى تكوين ثقافة جماعية تمثل حالة ثقافية ايضا، فلولا اهمية الحضارة والهوية لما احتاج الامر منهم الى التخطيط والتدبير، والبحث عن الدعم والتمويل من جهات ذات هوية، لكنها نقيض للهوية المستهدفة.
والتحديث عندما يأخذ مسارا تقنيا وفنيا فانه احد ضرورات تطوير المجتمعات. لكن البعض يختبئ وراء التحديث والانفتاح ليقدمها انقاذا للمجتمع من التخلف، الذي عادة ما يكون عادات وتقاليد حسنة، او قيما توارثتها الاجيال عن دين وتراث. ولهذا، فهذا النوع من الانفتاح يقدم على انه تحرر، بل تحلل من بعض القيم الاجتماعية والاخلاقية. فاذا كان التحديث في الإعلام، فان لدى هؤلاء نموذج الاستغراق في برامج المنوعات او خروج المذيعة بلباس غير محتشم! وهذا النوع من التفكير هو من السطحية او التوجيه، بحيث يختصر الانفتاح في زيادة مساحات الخلاعة، وكأن جمهور الاعلام من فئة المراهقين، او ان مشكلة الاعلام في الشكليات وليست في المضمون.
والبعض يرى في الانفتاح والتحديث رديفا لتجاوز الهوية السياسية والاجتماعية للمجتمع، بالسخرية من مفردات هوية الناس ومحاولة القفز الى مجتمع بلا جذور. ويروي احد العاملين في مؤسسة دخلتها محاولة "تحديث"، ان احد المصلحين المستوردين بدأ عمله بالسخرية من البدو، ووصف نساءهم اللاتي يظهرن على التلفزيون "بأوصاف غير لائقة"، وان اللباس الذي تظهر به نساء بعض المحافظات يجب ان يختفي الاحتفاء به، وان ما يجب ان يظهر في الاعلام هو حياة اهل عبدون، ومطاعم الوجبة السريعة، واصحاب الصرعات في اللباس وقصات الشعر. ومثل هذه الفئات لا تحمل هذا التصور اعتباطا، بل بناء على قناعة بالتغريب.
مفردات هوية المجتمع، بشكلياتها وتراثياتها، ليست لغايات الفلكلور واستقبال السياح وصب القهوة لهم، بل هي تمثل حالة سياسية ومكونات شخصية، وناظما يربط بين ابناء الدولة. وهذه المفردات تمثل مضمون عملية التعبئة الشاملة او الجزئية، التي تميز وتعطي مسارا للمجتمع.
والانفتاح والديمقراطية يراها البعض وسيلة لتمرير افكار سياسية، او لممارسة اقصاء وابعاد لفئات من الخصوم السياسيين. وتكون الخطوة الاولى ممارسة التصنيف، ووضع هؤلاء ضمن ما يسمى الحرس القديم، او المحافظين، في مقابل الديمقراطيين ومعسكر الليبرالية والانفتاح. واخطر ما في هذا الفكر تعميق قانون ادارة الشركات في ادارة الاوطان، والتعامل مع المجتمعات باعتبارها هيئة عامة او جمهور مستهلكين.
ويتقاطع ذلك مع فهم البعض للديمقراطية والحرية على انها حرية ارسال المدائح او الهجاء، حسب الطلب والرضا الذي لا يتحدد بالقناعة، بل بدفء العلاقة والمصلحة. فالإعلام يمكن ان يخدم شخصا اذا كان قادرا على ارضاء البعض، والعمل السياسي الاصلاحي لا يرى حرجا في حمل اي اجندة ما دامت تحقق القبول في دول صناعة القرار في العالم.
ليس هنالك من يرفض التحديث والاصلاح مادام يحقق الهدف الحقيقي، وهو اعطاء الناس حقوقهم وحريتهم، ويؤدي إلى نقلة تكنولوجية وعلمية، وترسيخ الديمقراطية وحقوق الانسان، لكن كل هذا ليس على حساب قيم المجتمع وهويته الثقافية والسياسية، وان لا تكون ادعاءات التحديث لغايات تجارية ومصالح، او لتمرير قضايا سياسية، او التمهيد لقصص لا علاقة لها بالتحديث والاصلاح والتطوير.
واخيرا، فان اي عملية اصلاح وتحديث تفترض ان تكون بسرعة متوازنة بين الطليعة والناس، والا اصبحت اشبه بقطار تسير عربته الاولى بسرعة كبيرة بينما تسير بقية العربات ببطء طبيعي؛ فهذا يعني انفصالا او تطويرا شكليا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة