أحــلام ونـوّار
للزيتون طفولة عجيبة غريبة. ففي مطلع كل شهر أيار، من السنة، يطرحُ هذا الشجر العظيم نوّاراً أبيضَ يغطي ما بين الأوراق والأغصان، عندها تشرئب أمانينا وأحلامنا إلى موسم يملأ جرارنا زيتاً كالذهب. وحين يشتد الحرُّ قليلاً، يرمي معظم نواره (وينخله)، فتراه ميتاً تذروه الرياح، وكأنه منخول بمنخل خشن. فتتحسر على خراب أمانيك في بداية أحلامها.
وفي أواخر أيار، تبرعم دوالي العنب أحلامها بين الورق، وتنوّر قطوفها نوّاراً شبيهاً بنوّار الزيتون. فنتلهف لصيفٍ ينضجُها. ورغم أن نسبة نجاح نوّار الزيتون في الإثمار، قد لا تتعدّى الواحد بالألف
، إلا أننا في الغالب نأكل زيتاً في تشارين وكوانين، وفي المقابل قد يصيب العطب عناقيد العنب، ولا نذوقها، رغم عقد كل نوارها: سبحان الله.
أيار هو القمح، بأبهى خضاره ويناعته. القمح إذ يُسنبل سنابل شامخة ما تلبث أن ترخي رأسها تواضعاً حين تنضج وتمتلئ (البشر لا يتعلمون من القمح ابداً، ولا يعرفون منه إلا الرغيف والكعك)، وعندما يسنبل قمحنا، كنا نخاف عليه من (برد السبل)، وهو البرد الذي تأتي به ريح الشمال؛ ونخاف أيضاً على سهرنا في لياليه الموشحة بالدفئ، لأنهم ما زالوا يخوفوننا (برد السبل بيهد الجبل)، لكنه برد لا يهد العاشقين، ولا يخيفهم: مرحى | .
وأيار هو شهر كوكب الزهرة يشقُّ السماء متفتحاً مثل أقحوانة مجنونة، تختفي سريعا. وهو كذلك موسم قمر يتدور مثل رغيف طابون، فتغار منه الأرض، وقد تخسفه، بعد أن تقف أمامهُ بدهاء حاجبة عنه ضوء الشمس؛ لكنَّ الخسوف لا يدوم، كحال كل عذال هذا العالم ومكرهم. مرحى مرة أخرى لعاشقين الحياة | .
وفي أيار تلتحم الحياة بالموت، حين تمتد يد اليباس القاسية خلسة إلى بهجة الربيع اليانعة، وتأخذها نحو عتبات جفافها. عندها ستسبل دمعة من عينيك، وانت ترى زرعاً كان ذا عبق واخضرار يجتاحه كل هذا الصفار. يااااااااااااااه، أهكذا هي حياتنا واخضرارها؟ | .
ربما قدرنا أن نكون مسكونين بأحلام كنوار الزيتون المنخول بالواقع الخشن، ومع هذا نأكل زيتاً، حيناً. وبين أحلام العنب، حينا آخر. لكننا وفي الحالين، سنبقى نحب الحياة بأحلامها ونوارها وسنابلها وخضارها وصفارها، ما اتستطعنا إلى ذلك السبيلا.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |