من الذي يغامر بمستقبل واستقرار المنطقة؟ من الذي يضع شركاءه تحت النار وتحت طائلة الانتقاد؟ من الذي لا يفكر إلا بأمنه ويتجاهل امن الآخرين؟ من الذي لم يعط قيمة لكل الحراك السياسي طوال الأعوام الماضية؟ من الذي حصر التفاوض في ترتيبات أمنية وحسب؟ من الذي لم يعنَ بأمن البشر الآخرين واعتبر امن مواطنيه أولوية؟ الجواب معروف إنها إسرائيل.
أقر الإسرائيليون كما أقر حزب الله في صيف 2006 بسوء التقدير وان هناك عدم دقة في المحاسبات دفعت باتجاه حرب 33 يوما. اليوم وبعد 21 عشر يوما من الحرب على غزة لا يتساءل الإسرائيليون عن ذلك السوء في التقديرات ولا يبدو أنهم معنيون بذلك، فآلة حربهم العدوانية لا تفرق بين امرأة وطفل، تقتل من دون محاسبة، كذبت حينما حاولت أن تقنع العالم الذي يسمي نفسه حرا أنها أنجزت في حربها على غزة ما لم تنجزه الحرب على الإرهاب في 16 عشر عاما، كذبت وظهر أنها لا تدرس التاريخ فذلك المصطلح "الحرب على الإرهاب" خلق بعد أحداث سبتمبر 2001 وان عمره غير المديد ثماني سنوات.
حرب غزة ليست كحرب صيف 2006، ومن يراهن على أن نتيجتها ستكون انتصارا لإسرائيل وعودة للأمور إلى سابق عهدها، بحاجة إلى إعادة حساباته. ما يجري في غزة هو حرب في ارض معترف دوليا أنها كانت محتلة جرى إعادة الانتشار حولها، سكانها عزل بموجب الاتفاقات التي جعلت منها منطقة شبه خالية من الأسلحة على الأقل بالنسبة للمدنيين، هذا لا ينفي بالطبع وجود سلاح لدى المقاومة. المفارقة المهمة التي ستؤثر على مآل هذه الحرب هو أنها تقع بعد حصار لا أخلاقي فرضته إسرائيل وسانده لاعبون إقليميون باسم الالتزام في القانون الدولي، وبالتالي فحقيقة أن سكان القطاع عزل وأنهم محرومون من ابسط ضرورات الحياة جعلت الفارق بين الحرب المباشرة والحصار فقط في التسريع في سقوط عدد الشهداء وتدمير البنى التحتية هناك.
لم يتحدث أحد عن التبعات الأمنية لحرب صيف 2006 وبقيت محدودة إلى حد كبير في الوضع اللبناني الداخلي، لكن الحرب على غزة مختلفة تماما، فهي تذكر بالاحتلال وجرائمه، وتذكر بأن الفضاء الأمني الذي تريد إسرائيل خلقه في غزة قد خلق فعلا في بقاع مختلفة في العالم، وان درجة القلق الأمني بدأت تتزايد في دول مختلفة في العالم حتى إن هذا القلق دفع بعض كبار المسؤولين للحرص على حضور التظاهرات الجماهيرية ضد جرائم غزة في محاولة لإيصال رسالة للرأي العام ولتقليل الاحتقان عند فئات معينة. وقد ذهبت بعض التقديرات الأمنية الغربية إلى الدفع بضرورة العمل على وقف إطلاق النار ليس للحفاظ على الغزيين بل لحماية رؤوسهم من شر داهم سيحل بمدنهم، لسان حال أصحاب تلك التقديرات يقول أوقفوا العدوان ليس حماية للغزيين فقط بل حماية لأمنكم، وقللوا فاتورة الأمن على حكوماتكم التي تئن بسبب تبعات الأزمة الاقتصادية، كونوا جادين في استخدام الدبلوماسية ولا تعطوا المشروعية لما يجري في غزة، كونوا بعيدي النظر وانظروا إلى ما بعد أنوفكم، أجل أوقفوها قبل أن تمتد !
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محجوب الزويري جريدة الغد