رحل الرئيس الأميركي الثالث والأربعون، جورش دبليو بوش عن المشهد السياسي الدولي، رحيلاً أهم ما يميزه أن أي حديث عنه أو عن إداراته سيقترن بكلمة "سابقاً"!.
مغادرة بوش البيت الأبيض، وتولي الرئيس الرابع والأربعين باراك حسين اوباما، هو حدث شغل العالم منذ كانون الاول (نوفمبر) 2008، لكن التعامل معه اعتباراً من 20 كانون الثاني (يناير) سيختلف. السمة الأبرز الآن هي التفاؤل بأوباما، فهل ستبقى هذه السمة غالبة؟
العالم في صباح 21 كانون الثاني (يناير) غابت عنه التصريحات حول استعراض القوة التي كانت غالبة على إدارة الرئيس السابق، وهو استعراض أدى إلى شن حربين على بلدين في العام الإسلامي، وحرب ثالثة استهدفت ذلك العالم سميت الحرب على الإرهاب، تلك الحرب التي لم يتردد وزير في أحد أهم الدول الحليفة لواشنطن، وهو وزير الخارجية البريطانية ديفيد مليباند، في وصفها بالحرب الخطأ، وانها أوجدت تحديات وصعوبات للغرب بدل أن تحل مشكلة.  لقد دمرت تلك الحروب الإنسان وكرامته، كما شرعت التجاوز على الحقوق المسلم بها للإنسان في هذا الجزء من العالم، وعززت الفجوة بين الولايات المتحدة الأميركية وشعوب العالم الإسلامي، فلم تفلح كل استراتيجيات الدبلوماسية العامة في تجسير الفجوة بقدر ما ساهم انتخاب اوباما في تخفيف حدة العداء لأميركا.
لقد بدا جلياً أن الحروب التي شنت لم تجلب استقراراً كان يروج له، فلا العراق أصبح آمناً ولا أفغانستان، بل على العكس تحولتا إلى دولتين هشتين تعدى الخطر فيهما إلى دول الجوار، فزاد ذلك من فاتورة الأمن لتلك الدول، وهو أمر لم يواجه التحدي الأمني إلا بالحد الأدنى.
الترويج للحرب باسم تسويق الديمقراطية، كان أمراً ملفتاً على مستوى الخطاب وعلى مستوى الأدوات، فالقوة المفرطة التي استخدمتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش، لم تجلب أصدقاء إلى واشنطن، كما أنها لم توفر الحماية للمؤمنين بالديمقراطية والمشاركة السياسية في أجزاء كثيرة من العالم، فالدول التي حاولت واشنطن أن تدفعها للإصلاح السياسي، لم تكن مخلصة في تطبيق الديمقراطية، بل مارست الإصلاح بطريقة مشوهة لم تؤد في الحقيقة إلا إلى فقدان الثقة بكل قيم الحرية والديمقراطية.
إن الخطاب الذي رددته إدارة الرئيس السابق بين القبول بالسياسة الأميركية أو مواجهة الخيار العسكري، زاد كثيراً من الشكوك حول قوة أميركا الأخلاقية، بصفتها قوة تدافع عن الديمقراطية. كذلك فعل التنوع في المصطلحات القادمة من واشنطن، التي تعكس استخدام القوة مثل استخدام العصا، واستخدام الخيار العسكري، إلى غير ذلك، فهذه عززت الشكوك حول دوافع أميركا، وخلقت معسكراً وضعها في صف القوى الامبريالية التي تريد العودة إلى عصور الاستعمار، وهي مسألة ربما لن تكون جميلة في الكتاب الأميركي.
التلويح باستخدام القوة، الذي طالما استخدمته الإدارة السابقة، لم يحل في الحقيقة قضايا وملفات ساخنة، لا سيما في هذه المنطقة من العالم. فقد فشلت الجهود الرامية إلى إجبار إيران على وقف تخصيب اليورانيوم، وكذلك إبقاء التحالف ضد إيران قوياً بالقدر الذي يسمح بالذهاب إلى حرب على إيران. الفشل الآخر هو في الوصول إلى أي نوع من التسوية في الصراع العربي الإسرائيلي، فالعام 2008 لم ينته بسلام كما كان يعد بوش، بل على العكس انتهى بمذبحة في غزة، تحت سمع وبصر الإدارة التي رحلت، الأمر الذي عزز فرضية عدم جدية الإدارة الأميركية في مساعدة حتى أصدقائها، وتجنيبهم تبعات عدم  استقرار الإقليم نتيجة عدم التقدم في حل الصراع العربي الإسرائيلي.
ربما يكون السؤال الأهم في عالم ما بعد إدارة بوش، هو: هل سيكون عالمنا أقل حروباً ومآسي؟ هل الإدارة الجديدة برئاسة باراك أوباما والآخرين في العالم، قادرة على تقديم رؤية جديدة تحترم خيارات الشعوب في العيش بكرامة وعزة وتعاون؟ وهل الإدارة الجديدة مستعدة لقبول مقولة أن الولايات المتحدة أمة بين الأمم، وليست الأمة الوحيدة في هذا العالم؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محجوب الزويري   جريدة الغد