ملعون الحرسي
هناك نظرة طريفة ترى أن على وزير المالية، في البلدان المتحزمة بحبل التقشف وحجره، والتي لحافها أقصر من أرجلها المقرفصة. عليه أن يكون عاقد الحاجبين، عبوساً، (كشرياً)، لا يضحك لرغيف خبز خرج للتو من الطابون، وأن يكثر من قول لا للجميع، ويكون طلوع القرش من خزينته، كخلع أضراسه بغير تخدير.
وتماشياً مع ما يشبه هذه النظرة، تمنى واحد من قراء هذه الزاوية، أمس، أن يكون رئيس هيئة مكافحة الفساد رجلاً يتقادح الشرر من عينيه، وقال بالحرف: الهيئة تنقصها الهيبة، لأنها غير قادرة، ومقيدة، والكل يلاحظ ذلك، فعندما أشاهد التلفاز، لا أجد في عينيه الحزم المطلوب، بل يبدو شخصاً طيباً دمث الخلق هادئاً. باختصار، وبالعامية (بدنا عيونه تقدح شرار)، من هول الملفات الموجودة على مكتب معاليه، والله يعينه على تحمل المسؤولية.
لست مع النظرتين أعلاه، فالتقشف ليس بالكشرة والنرفزة، بل بالتخطيط السليم الخلاق، وليست مكافحة الفساد بتقادح شرر العينين، ولا بزفر الدخان من المنخارين، والتدرع بوجه مخيف، بل الأهم من ذلك أن تستند إلى قاعدة قانونية صلبة، ورؤية ذات بعد استراتيجي مبني على إرادة سياسية حقيقية (المهم الجوهر لا المظهر).
ولكننا لا نلوم الناس إن احتكموا إلى الظاهر، فالنبي صلى على الحاضر، كما يقال، فهم يريدون شيئاً يوضع على النار. باختصار يريدون الفساد مضبوعاً، ولا يهتمون بالتفاصيل وطريقة العمل. يريدونه مضبوعاً بعد أن ضبعنا لسنوات طويلة. ويريدون نتائج ملموسة محسوسة. فالناس تشاهد فساداً، ولا ترى المفسدين، وهذا لا يعقل.
لا بد من تدعيم هيئة مكافحة الفساد قانونياً، ليدخل تحت (بنديريتها) الجميع، فلا يعقل أن نحاسب الغفير، ونترك الوزير، ونعاقب من تلقى خمسة دنانير رشوة تحت ضغط الفقر، ونترك من لهط الملايين، فإن أهلكت الأمم السابقة، أنهم كانوا إن سرق الشريف تركوه. وأقاموا الحد على الضعيف. ولا بد من تفعيل قانون (من أين لك هذا؟
)، فهو مربط الفرس. فلا يعقل لموظف راتبه ألف دينار ويسكن قصرا بملايين.
الفساد ملعون حرسي، لأنه كائن متطور، مخاتل، غدار، ناعم الملمس، مخملي، معطر أحياناً. يغير شكله باستمرار، كالأميبا، فالرأس قد يغدو ذنباً، والذراع قدماً، له طبع حربائي يتأقلم مع كل الأرضيات؟ | . ملعون حرسي، لأنه يعيش (بعلاً)، وإن قطعنا عنه الأكسجين، ينتعش بثاني أكسيد الكربون. ولهذا فمكافحته يجب أن تتحلى بالذكاء الخلاق، والتطور السريع، والتحصن بالعلم، والمعرفة، والثقافة.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |