في زحمة الجدل حول التوزيع والتمثيل الجغرافي في الحكومات، تبدو الحاجة ماسة الى محاولة العودة بالامور الى المربع السليم الذي يخرجنا من دوامة البحث عن استرضاء هذه المحافظة او تلك، او هذه المجموعة السكانية او تلك، وان يصبح وجود وزراء من اي محافظة ليس المعيار الاهم بل معيارا ثانويا، وامراً اشبه بـ"اكسسوارات" اي شيء، لا أن يتحول معيار التمثيل الى سجن سياسي نضع فيه انفسنا، ويدفعنا نحو دفع ثمن باهظ من الكفاءة.
هذا الحديث ليس حُلماً بل ضرورة، بخاصة ونحن نسير في طريق الاصلاح السياسي. اما الهدف الذي نسعى اليه، فهو الوصول الى حكومات تضم وزراء يشعر المواطن انهم يمثلون كل الناس، وانهم على قدر من الكفاءة والمسؤولية والموضوعية بحيث يحرصون على مصالح كل المحافظات وكل الاردنيين، وتطمئن النفوس الى كفاءتهم واجندتهم الوطنية. وهذا الامر لن نخترعه اليوم؛ فقد شهد التاريخ السياسي الاردني زعامات ورجالات لم يكونوا يصنفون على محافظة او شمال او جنوب او وسط، وكان وجودهم في اي حكومة، رؤساء او وزراء، مصدر قوة لاي حكومة، وكانوا سياسيين وليسوا مديرين لوزاراتهم او موظفين برتبة وراتب وزير.
ما افسد هذه التجارب الايجابية تعاقب وزراء ورؤساء حكومات، يأتي احدهم وهمه الاول تأمين وظائف لبعض اقاربه، او تأمين بعثات دراسية لمحاسيبه، او تعيين سفير او امين عام محسوب عليه؛ اما التنمية والخدمات فهي بالنسبة له ما يستطيع تحصيله لقريته او محافظته، وكل ما يريده ان يقال بعد خروجه من موقعه انه خدم عشيرته او قريته او محافظته. واحياناً تكون الاداة موظفي الفئة الرابعة، من مراسلين وحراس وسائقين، واحياناً توزيع المعونات او قروض المعونة الوطنية.
ليست المشكلة في ان يخدم مسؤول محافظته، او يعين بعض اقاربه، بل في ان يكون هذا هو حلمه وبرنامجه ومساره الوظيفي. وحكومة بعد حكومة تكرس الحرص على التمثيل الجغرافي لتحقيق هذه الغاية، او على الاقل وقف تكدس ابناء محافظة او اقليم في مكتسبات وزارة او حكومة.
علينا ان نعترف ان دورة الوظائف والحياة السياسية مصابة بالعقم في انتاج الزعامات والرموز الوطنية، واصبح القياس في حدود مجموعة معارف واقارب. وربما ما نحتاج اليه هو البحث عن الطرق التي تجعلنا نعيش في ظل ولاية حكومات يقودها ويشارك فيها زعامات ورموز وطنية، يرى فيها الاردنيون همومهم وهويتهم، ولا ينظرون الى محافظته او شبكة علاقاته واصهاره وشركائه في التجارة، ليحاولوا تفسير وجوده في هذا الموقع او ذاك.
لو عدنا الى التاريخ السياسي، وتوقفنا عند رموز مثل هزاع المجالي او وصفي التل مثلاً، فلم يكن التعامل معهم على اساس محافظتهم. وحتى من اختلفوا معهم سياسياً، فانهم لا يستطيعون انكار دورهم وحضورهم القيادي والوطني. ووجود مثل هذه الزعامات اعطى هيبة للمواقع، وحافظ لها على قوتها الشرائية وطنياً. لكن التساهل في المعايير، وتزايد نسب وزراء المحافظات والقرى، جعلنا نغرق في قانون المحاصصة، وكأن الحكومات مجالس بلدية يسعى فيها كل حي الى الحصول على مقعد لضمان تركيب لمبة في الشارع.
ان استمرار الاستغراق في قانون الاشخاص والمحاصصة سيصل بنا الى الوقوع في حدود الابتزاز على مستوى اللواء، وربما القضاء او حتى العائلة والعشيرة، وهذا تناقض جوهري مع اسس الاصلاح السياسي.
وزراء اي حكومة سيأتون من المدن والمحافظات والعشائر الاردنية، لكن الفرق بين ان يأتي احدهم وفق منطق المحاصصة، القائمة على التقسيم الاداري او حصص العشائر والعائلات، او ان يأتي لانه شخص كفؤ ورمز سياسي او صاحب طاقة فنية متميزة. ولعلنا نحتاج الى حكومة يقودها رمز سياسي وطني اكبر من كل صغائز السياسة، يطمئن الناس الى تاريخه السياسي والوظيفي، قادر على اتخاذ قرار جريء بتجاوز شبكات العلاقات الخاصة، ويجعل الاردنيين يجدون تفسيراً منطقياً لوجود هذا الوزير او ذاك، وهذه هي محصلة جزء هام من اي اصلاح سياسي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة