احد الأساتذة الكرام, من السياسيين المخضرمين, علّق على ما أشرت اليه الأسبوع الماضي حول العشائر الافتراضية، مثل "الدوافسة" و"اللبارنة" نسبة الى نهج دافوس والليبراليين الجدد، بأن هناك عشيرة سياسية أخرى افتراضية هامة، وهي عشيرة "العمامنة"، نسبة الى عمان. وهذه العشيرة ليست وحدة واحدة، لكنها تمثل تلك النخب ومراكز الضغط ومجموعات المصالح المتكدسة في بعض مناطق عمان، حيث تتركز الأضواء والكواليس والصالونات ومجالس الغيبة والنميمة السياسية، ومنها يتم حمل اشخاص بموجب معادلات مختلفة الى مواقع صناعة القرار، ونادي حملة الألقاب؛ ابتداء من العطوفة وحتى دولة الرئيس.
  و"العمامنة" ليس نسيجا واحدا. ففي مراحل سياسية سابقة، كانت خليطا من مجموعات سياسية متنافسة، تنتقل احداها الى السلطة وتبقى الاخرى تمارس نوعا بدائيا من المعارضة تحت لافتة المشاغبة ونشر الإشاعات وانتظار الساعة التي تذهب به الحكومة القائمة، لأن البديل قد يكون معسكر المشاغبة كتبادل للأدوار. وقد ساهم القانون غير المكتوب الذي ساد الساحة السياسية، والذي نص على قصر عمر الحكومات بمعدل لم يتجاوز 9 اشهر.
  لكن التطورات التي شهدتها الحياة السياسية خلال السنوات الاخيرة ادخلت مسارات وتوجهات جديدة لهذه العشيرة الافتراضية؛ ففيها الآن ما يسمى الحرس القديم, وكذلك الحرس الجديد، وفيها المحافظون والإصلاحيون، وتضم "الدوافسة" و"اللبارنة".. انها تضم كل العاملين في العمل السياسي، سواء من فقدوا الأمل او من يمارسون السلطة او من مازال لديهم فرص، وفيها من غايتهم تبرر وسائلهم، او نقيضهم.
  ووجود هذا الإطار تعبير عن حالة تركز السلطة في عمان. وجزء من هذا التركز طبيعي ومتواجد في كل دول العالم، لكن نسبة التركز اكبر من المعدل الطبيعي، وهذا جزء من حالة الاختلال التنموي والسياسي بين العاصمة والمدن الأخرى. ولهذا، فهناك نوع من الهجرة السياسية التي تحدث، بحيث يبادر ابناء المناطق البعيدة عن عمان إلى التوطن في العاصمة. ويتطور هذا الامر الى حالة من الاغتراب بين هؤلاء وسكان مناطقهم، بحيث يتحول الى تواصل موسمي او شبه نادر، حتى وإن جاؤوا الى العاصمة نوابا عن الناس ورسلهم الى المسؤولين. ويحاول هؤلاء ان يبحثوا عن مكان في صالونات عمان او مجموعاتها او شبكة علاقات او مصالح.
  و"العمامنة" طبقة تجيد التذمر والنقد ما دامت خارج السلطة، وهم المعارضة الدائمة لأي حكومة، لكن بأساليب غير سياسية. ولديهم القدرة على المزاوجة بين السلطة والنشاطات الاقتصادية، لهم او لأبنائهم. واذا اراد اي شخص ان يحصل على عيوب وقصص اي حكومة، فعليه ان يبحث عن السياسيين ممن هم خارجها، فلديهم الحكايات والتحليلات والأمنيات.
  "العمامنة" ليست هوية جغرافية نسبة الى عمان، لكنها هوية علاقات، وشجرة مناصب، ومواقع تصل قوة كل فخذ في هذه العشيرة الى حدها الاقصى حين تكون في السلطة، لكنها تفقد من 50-80% من قوتها الشرائية حين تكون خارجها. واقلها انشغالا بالنميمة والغيبة السياسيتين، هي التي لها مصالح وشركات، ومصالح تملأ بها وقتها وتحقق بها ذاتها، لكن المشكلة تتعاظم عند من ليس له حضور الا بالوظيفة، ولهذا فمع كل حكومة هنالك جولات من الواسطات لإعادة وزير متقاعد الى العمل، سفيرا او رئيس مجلس ادارة او عضوا في مجلس الأعيان، فدورة المواقع تمتد من مكان لآخر. واحيانا يكون توفير الموقع لغايات ضمان سكوت فلان، او لغايات انسانية إذ ان دخله لا يكفي، فيكون الحل بالبحث له عن منصب حتى لو لم يكن من اختصاصه.
  وأخيرا، فإن مشكلة كل العشائر الافتراضية انها لا تضم الشعب الأردني، وأنها مجموعات قليلة تتوزع على الحرس القديم والجديد والإصلاح والمحافظين. اما عامة الاردنيين، فهم ليسوا اكثر من جمهور، او كما يسميهم البعض "الأغلبية الصامتة".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة