الرفض والمناداة بالإصلاح تكون لأي وضع مختل تنقصه العدالة، وتغيب عنه قواعد المنطق. ومن هذا، ما سمعته من سيدة فاضلة، ابنة احد الوزراء القدامى في الدولة الاردنية، الذين قدموا الكثير للأردن، واختاره الله تعالى الى جواره قبل اكثر من عشرين عاما.
 والخلل في ان تقاعد اسرة هذا الوزير لا يتجاوز 150 دينارا. وهذا الحال سنجد امثلة كثيرة عليه، ليس في فئة الوزراء القدامى فقط، بل كبار موظفي الدولة المتقاعدين من الجهازين المدني والعسكري. وهو الحال ذاته الذي يعطي لأسرة الشهيد 50 دينارا شهريا، او كما قال احد ابناء الشهداء الذين سقطوا على ابواب القدس العام 1967، فإن اسرة الشهيد تتقاضى 41 دينارا، بعد الاقتطاعات والخصومات، وهو مبلغ لا يمكن قسمته على اجرة بيت او ثمن خبز او فاتورة كهرباء وماء.
  وما يخلق الاختلال وغياب الإنصاف هو الطفرات التشريعية التي تأتي لخدمة فئات وطبقات؛ فقد شهدنا تعديلات تشريعية عديدة كانت اشبه بالتفصيل. فبعض الفئات العليا كانت تستفيد من قضية "المعلولية"، فتضيف الى تقاعدها الضخم نسبة كبيرة منه تحت عنوان "نسبة العجز"، مع ان "نسبة العجز" التي يحصل من خلالها على المعلولية تعني ان يجلس في بيته على كرسي متحرك، وأن يتناول طعامه عبر الوريد، لا ان يعود بعد شهور الى موقع كبير جدا.
  وما جرى من تعديلات على تقاعد الوزراء والنواب والأعيان، قدمت امتيازات لمن صنعوا التشريعات؛ فأعطت للنائب والعين حق الحصول على التقاعد بمجرد دخول المجلس. وعلى الجانب الآخر من الصورة، تشتكي الحكومات من فاتورة التقاعد المدني، وتنقل كل الموظفين الى الضمان الاجتماعي ليحصل الفرد على تقاعد بعد 30 او 35 عاما، اما النائب والعين والوزير فيحصل على التقاعد بعد اربع سنوات على ابعد تقدير، وربما بعد عدة اشهر لوزراء التعديلات المتلاحقة.
  والتشريعات التي تعطي للكبار فرص تطوير تقاعدهم، تغفل عن انصاف عائلات وأسر الوزراء القدامى، او كبار موظفي الدولة من حملة الدرجات المتقدمة, إذ إن التقاعد في حدوده العليا لا يصل الى 300 دينار، او مثل الوزير القديم الذي تتقاضى اسرته 150 دينارا. فالتشريع يمكن ان يعطي للبعض معلولية وصلت بعد التعديل الى 500 دينار، لكنه عاجز عن انصاف اسرة شهيد او زوجته التي تتقاضى 41 دينارا!
  اما الباحثون عن الاصلاح الإداري وتطوير القطاع العام، والذين ينفقون عشرات الآلاف لمكاتب الدراسات والاستشارات، فهم لا يتوقفون عند هذه الفئات التي يغيب الإنصاف عن احوالها، بغض النظر عن وظيفتها السابقة؛ فالعبرة بما يصل للأسرة من راتب، وهل يكفيها للطعام والشراب، ام ان اصلاحنا فقط لطباعة كتيبات ارشادية، او لمجاملة النواب والاعيان بحيث يمكن لهم الجمع بين راتب المجلس والتقاعد الوزاري الضخم، بينما موظف الحكومة المتقاعد من التربية او الصحة يحرم عليه الجمع بين تقاعده وأي راتب وظيفة حكومية اخرى يحصل عليها؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة