رقم لا تحتكره بلدية اربد، لكنها تمثل أنموذجاً في تطور مفاهيم العمل والرغبة في البحث عن لقمة العيش الكريمة، وتحديداً في قطاع عمال النظافة، الذي كان معظمه -ان لم يكن كله- من العمالة الوافدة. فبلدية اربد، كما يقول رئيس بلديتها، كانت قبل حوالي عامين تضم 800 عامل نظافة، منهم 600 من العمالة الوافدة و200 من الاردنيين، لكن ما جرى خلال العامين السابقين هو انقلاب في الرقم؛ فالان هنالك 500 عامل نظافة من الاردنيين و300 من الوافدين. ويعتقد رئيس البلدية، انه لولا الحاجة الى عمال يعملون في الفترة الليلية وايام العطل، لربما كان جميع عمال النظافة من الاردنيين.
وهذا الحال له مثيل في بلديات اخرى، وربما في امانة عمان، وهو مؤشر ادانة على منطق حاولت من خلاله بعض الحكومات تبرير ضعف عدد من سياساتها، بان الاردنيين لا يريدون العمل. بل ان المهندس وليد المصري يؤكد ان كفاءة عامل النظافة الاردني اكبر من الوافد، والسبب ان نسبة من العمالة الوافدة لا تعمل اكثر من بضع ساعات، بينما تنشغل في اعمال اخرى خلال ساعات دوامها، كتنظيف البيوت او المحلات او غيرها من الاعمال.
وهذا القطاع من العمل كنا جميعاً نعتقد ان الاردنيين عازفون عن العمل فيه لاسباب اجتماعية، لكن تطور وتغير بعض اجزاء الثقافة جعل المشكلة في اصحاب العمل وقدرتهم على تقديم اجر للعامل الاردني يكفيه لحياة معقولة.
فالبلدية الناجحة تحاول ان تزيد من دخل العامل الاردني؛ فراتب 120 ديناراً لم يعد كافياً للانفاق على فرد وليس اسرة، ويستطيع المسؤول -ان اراد- ان يجد لهم من الحوافز والمكافآت او العمل الاضافي ما يجعل من العامل الاردني قادراً على امتلاك دخل كريم، وليس ثمن طعامه وشرابه ودخانه.
وحتى الشكوى من ترهل بعض اصحاب الوظائف من الاردنيين، فانها تكون احياناً لعجز ادارة الموقع عن اقامة علاقة يشعر معها الموظف بالتقدير لعمله.
وقد سمعنا من رئيس بلدية اربد قبل ايام وصفا لحال بعض الموظفين من سائقين لآليات ضخمة، يصل ثمن بعضها الى 100 او 200 الف دينار، لكن هذا السائق يتقاضى 120 ديناراً، ويعاني القدامى منهم أيضا من عدم انصاف مع الجدد، الذين يتقاضون رواتب اكبر. والحل ليس في الشكوى، بل في معادلة لانصاف المظلومين وزيادة رواتبهم وتقدير عملهم، بمكافآت تحسن دخلهم ودخل اطفالهم.
وهذا ليس كرماً من البلدية او المؤسسة، بل تحقيق لمصلحتها؛ فمن يعمل على آلية قيمتها 200 الف دينار، ويعاني من ظلم في راتبه، فهو اما ان لا يعمل بها بشكل يعني الاستفادة من طاقتها وبالمبلغ الذي دفع بها، او ان يقوم بإهمال الآلية بما يؤدي إلى إعطابها في الغالب، بحيث تتحمل البلدية مبالغ كبيرة في اصلاحها.
يقول اهل الادارة انه لا يوجد موظف "مهمل" أو غير كفؤ، بل مدير "مهمل" أو غير كفؤ. فالادارة المنصفة التي تقدر جهد العاملين معها، وترفع عنهم الظلم، وتحفزهم مادياً ومعنويا،ً قادرة على دفعهم للعمل بطاقة كبيرة وتحقيق انجاز، والا فالعيب في الادارة والعجز فيها، وليس في عامل مياومة او رجل نظافة.
بالمناسبة، فان حدود بلدية اربد تحظى بمستوى جيد من النظافة، حتى في الاحياء الشعبية، وهذا دليل على حسن كفاءة العامل الاردني اذا توفرت له ادارة مقدرة لجهده.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة