بعض الخطوات والاجراءات تترك آثارا ايجابية كبيرة ماديا ومعنويا حتى وإن رآها بعضنا عادية, ومن ذلك ما قامت به مديرية الأمن العام خلال الأشهر الأخيرة من زيادة حضور "اكشاك" الشرطة في الأسواق, والدوريات الراجلة أو في السيارات بحيث يمكن لأي مواطن أن يجد حوله في السوق أو حتى في الشوارع الفرعية حضورا ايجابيا لرجل شرطة او دورية نجدة.
   وهذا الأمر لا يصنف ضمن ما يسمى بالكثافة الأمنية فذلك يعني تشديد أو إعاقة حركة الناس وحياتهم الطبيعية, بل هو نوع من الحضور "الناعم" والمطلوب في حياة الناس, فالشرطي في كوخ الشرطة أو سيارة النجدة أو في دوريته الراجلة لا يمارس أي احتكاك بالناس إلاّ إذا كان لغاية تقديم المساعدة أو للإجابة عن سؤال, لكننا كمواطنين نشعر بالأمان أن نجد في السوق او في شارع فرعي صباحا ومساء وطوال ساعات الليل رجال أمن, فهذا يعطي نوعا من الإحساس بالأمان يضاف إلى حالة الأمن العامة, كما أنها تمثل نوعا من الردع لأي صاحب سلوك غير قويم في السوق أو في أي حي من الأحياء, وهذا بحد ذاته تحقيق لفكرة الوقاية التي هي خير من العلاج.
    وربما من حسن التقدير أن نشعر مع هؤلاء الفئة من الشباب الأردني الذين يمارسون عملا شاقا وسهرا وتعبا متجولين منتبهين. وأقل التقدير المطلوب هو الاحساس بقيمة ما يفعلون, والشعور بأن وجود مثل هذا الأمان المعنوي نعمة من الله تعالى, وأعلى مستويات التقدير أن نتمنى لهم رعاية اكبر وتكريما لكل مجتهد, وأن يكونوا ممن يملكون مقومات الحياة الكريمة والدعم المادي والمعنوي, فهذه الفئة تقدم, وربما يغيب احدهم عن بيته واسرته فلا ينام في بيته اياما, بينما اذا غاب اخرون في سفر وفنادق حصلوا على مياومات ومتعة وترفيه سواء كانوا من القطاع العام او الخاص.
     لا يدرك الانسان قيمة أن ينام في بيته مطمئنا, أو أن يسير في الشارع في ساعات متأخرة من الليل مع زوجته وأطفاله, أو أن يجلس في مطعم أو في بيت صديق أو في عمله حتى الفجر بأمن واطمئنان إلا عندما يقارن هذا مع أحوال أخرى في دول من العالم حولنا أو بعيدة عنا, فالأمن والصحة لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من فقدها, والأمن من النعم التي منَّ الله تعالى بها على عباده بقوله "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".
    من حسن الخلق أن يشعر هؤلاء الرجال وادارتهم بتقدير الاردنيين لكل جهد ايجابي, تماما مثلما هو واجبنا ان نشير إلى كل ممارسة سلبية في أي مكان, فالفكرة ليست في نشر الشرطة، بل في صناعة حالة ألفة بين الشرطي والمواطن, وأن يشعر كل منا ان من نراه في ساعات الفجر يتجول ماشيا أو في سيارته من رجال الأمن يقدم خدمة حقيقية لكل منا, وأن يشعر كل منهم أن هذا الفعل محل تفهم واحترام من الناس, فما يجري ليس كثافة امنية بل صناعة حالة أمن وردع وطمأنينة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة