الفرح الذي يجتاح كل مفردات الحياة الفلسطينية، من سلطة وفصائل ومواطنين، امر مشروع ومتوقع، لأن اي عملية خروج للمحتل من الارض انتصار يستحق الفرح. فهو محصلة نضال وجهاد وصبر طويل, دفع ثمنه الشهداء والجرحى والاسرى وعائلاتهم.
لكن هذه الفرحة المشروعة يفترض ان لا تذهب بنا بعيدا عن حقيقة ان الانسحاب، كعملية سياسية، حتى وان جاء محصلة مقاومة وتضحيات, الا انه يأتي في سياق العملية السياسية التي تجري على المسار الفلسطيني, وان هذا الانسحاب او الخروج الصهيوني، حتى وان جاء بثمن باهظ من الشعب الفلسطيني، الا انه جزء من عملية سياسية، يمكن ان تسمى "خارطة الطريق" لمن يحب النظرة الشمولية، او خطة شارون للانسحاب الاحادي الجانب.
وعلينا ان لا ننسى ان هذا الانسحاب سيتبعه استحقاقات سياسية وامنية على السلطة الفلسطينية، ليس فقط في ادارة غزة، بل وفي بقية الملف الفلسطيني على صعيد المفاوضات والتعاون الامني.
وعلينا ان نتذكر ان شارون لم يفعل هذا الانسحاب "لوجه الله تعالى"، وان اسرائيل ستسعى إلى تحويل هذه الخطوة السياسية الى شهادة حسن سلوك عربية واقليمية ودولية, وسيحتل شارون مرتبة متقدمة في سجل الباحثين عن السلام. ولا نستغرب لو سعى اللوبي الصهيوني في العالم الى ترشيحه لجائزة نوبل للسلام. وربما يكون فتح ابواب علاقات مع بعض الدول العربية والاسلامية ثمنا عاجلا لهذه الخطوة.
ما سبق ليس انتقاصا من حقنا جميعنا بالفرح بتحرير اي ارض عربية محتلة, وليس على حساب حق كل فلسطيني في ان يشعر ويحس بنتيجة نضاله ومقاومته وتضحياته, انما الدافع أن لا تنسينا الاستعراضات العسكرية الفصائلية ان وراء ما يجري عملية سياسية قادمة, وان السلطة الفلسطينية لم تخرج عن خطها السياسي, بل انها تحتاج الى المفاوضات والجلوس مع الطرف الاسرائيلي لتحقيق ما تعتقد ان عليها ما تفعله, كما انها مطالبة من القوى الدولية والاقليمية بتقديم ما يسمى بوادر حسن نية للطرف الاسرائيلي، مقابل انسحابه من غزة.
وعلينا ان لا ننسى ان الهدنة التي عقدها الطرف الفلسطيني، سلطة ومقاومة، مع الطرف الاسرائيلي، كانت مطلبا واستحقاقا لهذه الخطوة. وكانت الهدنة عملا سياسيا موجها نحو اسرائيل وليس اتفاقا فلسطينيا داخليا, وكان في حقيقته جزءا من توافق دولي واقليمي، قادته القيادة المصرية لاعطاء الحكومة الاسرائيلية فرصة للتقدم في العملية السياسية، بما فيها الانسحاب الاخير.
والهدنة كانت تمرينا بالذخيرة الحية لقوى المقاومة لضبط النفس، وربما اعادة هيكلة اوضاعها بشكل جذري اذا سارت العملية السياسية قدما فيما يتعلق بالضفة الغربية، والتي لن يحدث فيها انسحاب كامل كما حدث في غزة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة