النقابات المهنية تبرعت بعشرة آلاف دينار ثمنا لحقائب وأدوات مدرسية سيجري توزيعها على المناطق الفقيرة والمحتاجة. هذه المبادرة تتضافر مع جهود خيرة لأفراد وهيئات اردنية عديدة، لكنها تذكرنا بدور مفقود يفترض ان يؤديه اهل المال وكباره، من الشخصيات الأردنية والبنوك والمؤسسات والشركات العامة والخاصة.
وأصحاب المال من الشخصيات الكبيرة، سواء أكانوا اصحاب اعمال اقتصادية ام يضعون اموالهم في استثمارات او في بنوك خارجية، في اعناقهم ضريبة تجاه الاردنيين، أما الصورة السائدة، فهي بعض الكبار يتقنون الحصول على الامتيازات والمستحقات؛ فعلاجهم على حساب الدولة لأنهم القادرون على استصدار قرارات السفر والتكفل بالعلاج، وهم الذين يدورون في دورة المواقع الكبرى، وأحدهم يفتخر انه عين قريبا له او محسوبا عليه عضوا في مجلس ادارة او مديرا او امينا عاما، او حتى مرر اسمه وزيرا... وابناؤهم محظوظون! وكل هذا من معادلة "الأخذ"، لكن معادلة العطاء فقط في انهم يعطون للوطن وهم وزراء او رؤساء حكومات او نواب او اعيان.
والعطاء ليس بالضرورة ان يكون لمن يملك الملايين، بل لمن يملك مئات الألوف. ومن المفيد ان نذكر بنموذج رفيق الحريري، الذي عرفنا بعد وفاته انه كفل تعليم "33" الف طالب في الجامعات الاميركية والغربية، وله لمسات خيرية في كثير من مناطق لبنان؛ اي ان اللبنانيين عرفوه في حضوره الانساني قبل السياسي. اما في بلادنا، ومع التقدير لكل اهل الخير، فإن البعض لا تراه الا في مواسم الانتخابات يدفع 500 او 1000 دينار تبرعا لناد رياضي او جمعية خيرية، ويأخذ مقابلها يافطة تحمل اسمه كراع لاحتفال، او اعلان شكر في صحيفة على تبرعه السخي.
والبعض ينفق عشرات, وربما مئات الالوف, "لتزبيط" وضعه الانتخابي، او تكريما لمن حوله في العمل السياسي. لكن كل هذا لا يمثل انفاقا بقدر ما هو مصروف شخصي، ولهذا يغيب حضور الكثيرين من اصحاب المال او اثرياء السياسة في حياة الناس. وحتى في حال من يحصل على معونات من الدولة لتقديمها للفقراء، فإن الامر لا يخلو من اعتماد اسس غير موضوعية احيانا، من ناحية التكرار والحظوة للأقارب او رجال حملته الانتخابية.
في بلادنا، مثلا، مؤسسة باسم زوجة رفيق الحريري لرعاية بعض ذوي الحاجات الخاصة، لكننا لم نشاهد نماذج من اثريائنا تبني مدرسة او مركزا لرعاية المعوقين، او تتبرع بمركز صحي يحمل اسمها. وبعضهم لا نرى اسمه الا في قوائم التعيينات، وبعد وفاتها نرى اسمه على شارع او دوار تكريما له على خدماته الجليلة للوطن!
ما دمنا نتحدث عن امكانات محدودة لبلادنا، فلماذا لا يساهم اهل المال في البناء، او حتى في دفع جزء من اموالهم في حملات عون للفقراء؟ فمثلا، لم تقدم بعثات دراسية عبر صندوق الملك عبدالله للتنمية ووزارة التعليم العالي الا شركة فاست لينك، التي قدمت "11" منحة دراسية لطلبة الجامعات. ومع ادراكي ان هناك اهل خير واحسان يقدمون عونا للطلبة، الا ان هذا لا ينفي دور الشركات والمؤسسات والكبار من اهل المال.
الانتماء وحق الوطن على اهله ليس في تولي المواقع والحصول على الامتيازات والأعطيات وحضور الولائم، بل في ان يؤدي من يملك واجبا تجاه الفقراء والطبقات المحتاجة، او باتجاه دعم وبناء مؤسسات خدماتية. فبعض القرى تحتاج الى سور لمدرستها، او زيادة لغرفها الصفية، أفليس من الانتماء ان يقوم اصحاب المال بهذا تجاه قراهم ومدنهم وفقرائهم؟!
بعض فئات كبار المال والسياسة تقوم بواجبها اذا كان على حساب الدولة، اما الأموال الخاصة فهي للاستثمار فقط، وكأنهم جاؤوا بها من كنوز وجدوها في باطن الارض!
لو اتقن سياسيو الاردن من اهل المال القيام بتواصل حقيقي مع فقر الناس وحاجاتهم، ولو أدوا بعض مالهم خدمة لوطنهم، لما احتاج بعضهم الى كل الوسائل للبحث عن صوت انتخابي. وهذا الافتراق احد اسباب عقم ساحتنا عن انجاب الزعامات الحقيقية، التي لا تصنعها قرارات التعيين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة