مروحة النار
حتى لو أصبح (الكورن فلكس) طعاماً ليناً طريا للبعض منا، فالقمح ما زال وسيظل أباً وسيداً لطعامنا. نحن أبناء الأرض، لكن القمح كان بالمشقة يُزرع، وبالكد يُحصد، وبالضنك يُرجد (تجمع سنابله إلى البيادر)، وبالصبر يُدرس ويطحن. ومع هذا فرائحة الخبز كانت وما تزال تستحق كل هذا الشقاء، الخبز سيبقى جديراً بالتعب.
مع أوئل كل حزيران كان الحصادون لا ينظرون أمامهم في الحقل؛ ولا يحدقون في قامات القمح المنحنية بتواضع الخير والإمتلاء، كي لا يرعبهم بحر الذهب المتلاطم، بل كانوا ينحنيون بظهورهم ويندغمون بأمهم الأرض، ويوغلون بالحصيدة بصبر وجلد، والشمس تصب سياطها فوقهم، فيستعينون بالغناء على هذا العناء
. فتارة يرندحون مواويلهم إلى محبوباتهم ذوات الجدائل السود وناحلات القدود، وتارة يغنون فخراً بمناجلهم:(منجلي ومن جلاه/ راح للصّايغ جلاه/ وما جلاه إلاّ بعلبه/ يا ليت الحُبة عزاه)، والصايغ هو الذي يسنُّ المنجل ويمضيه، والعلبة كمية كبيرة من القمح | .
أجدادنا الحصادون، عندما كانت تشتد عليهم (حنانية الشوب) وتغرقهم بعرقهم، كانوا لا يلوذون إلى ظل ظليل، لأنه لا ظل في الحقول، بل كانوا يجمعون كثيراً من القش، ويشعلونه ناراً عالية يسمونها (نار الحصيدة)، وما هي إلا دقائق معدودة حتى تهب نسمات الهواء، ويتحرك الجو جالياً الانتعاش اللذيذ للحصّادين. وهذا اختراع بديع لأجدادنا، وهو صحيح من الناحية الفيزيائية، فالنار تسخِّنُ الهواء، فتقل كثافته؛ فيرتفع إلى أعلى؛ ويحلُّ مكانه هواء أبرد، وهكذا، فكأنهم أداروا مروحة سريعة، فتنعشهم قليلاً؛ ليعودوا لمناجلهم أكثر نشاطاً: فرحمة الله على أجدادنا الطيبين الذين عايشوا الحياة وفهموها | | .
وقبيل نهاية يوم حصاد طويل، كانت تختلط قطرات العرق البارقة بعجاج التراب، فتتشيطن المناجل في القبضات الخشنة، وتلتهم قامات القمح فيما هزهزة أهزوجة النهاية تثير فيهم اندفاعا عظيماً: (والغزالة زارتهُ/ زارتهُ واختارته/ قالت: جرني يا مختار/ جرني من عذاب النار)، فيأتي الصدى:(روحي والله جارك/ روحي اطعم صغارك).
لم تعد هناك أيام للحصيدة لنا، أو ما يحزنون، لأننا لم نعد نزرع قمحا، وصرنا نعتمد على بركات أمنا أمريكا، فيما سهول حوران، المترامية على مدى العين، والتي كانت سلة خبز الامبرطورية الرومانية، لا تزرع الآن إلا بالخواء، أو بالتبغ. متى نأكل مما نزرع؟ | ، متى؟ | . وكل حصيدة وأنتم بخير.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |