فاتورة كلام
خلال طفولتي زمان كنت أتصل بـ «ابن الجيران» ليس بالصفير المعتاد، ولا بالقرع على عمود الكهرباء الرنان، قبالة بيتهم
، ولا بحجر صغير أقذفه على صفيح بوابتهم المهترئة، بل كان يمتد بيننا هاتف بدائي، من اختراعنا الطفولي: علبتان معدنيتان صغيرتان، نثقبهما بمسمار، ونربط بينهما بخيط قوي، نشده فيجري فيه الصوت مفرحاً.
كم كان مدهشاً ذلك الكلام الرقراق الذي كان يحمله إلينا خيط مشدود | .
فيما مضى، وعلى ذمة ما يروى لنا، كان الأردني يفخر بأن (ردنية) ترقص على خصره، بل إن الأغاني الشعبية كانت تشدو لهذا الهمام المقدام، و»الردنية» سلاح بسيط شبيه بالمسدس البدائي، يحشى يدوياً بالذخيرة والبارود.
أما الأكثر شجاعة فلا بد أن تتراقص على خصره (ردنيتان)، فليس من لقب أجل ولا وصف أرفع من أن يقال بأنك (أبو ردنيتين) | .
الأمر صار مختلفاً الآن، فالشجاع على خصره هاتفان أو أكثر، الفقير والغني والمتوسط كذلك، الولد والبنت الرجل وربة البيت، إنه اختراع عظيم حقا، فهو قد ساوى بين الأردنيين، فكلنا أصحاب (ردنيات)، فليس أسهل من أن يتراقص على خصرك، أو في كفك هاتفان جوالان أو أكثر أيضاً، وإلا كيف فاق عدد الهواتف الجوالة عدد سكاننا؟ |
كان الأردنيون يتداولون اصطلاحاً طريفاً يعبر عن خط الفقر، أو مستوى الطفر، وقلة الزفر، فيقولون: فلان «ع الحديدة» أو أنا «ع الجنط» | ، أو علان «يطحن على الديك» | ، أما اليوم فقد حلَّ مصطلح جديد بيننا: صدقني ما معي آكل، أو ما معي أحلق، لكنني بقدر أحكي (شوال أو شوالين حكي ببلاش) | .
لا أريد الخوض في متاهة الأرقام المفزعة من حجم الإنفاق الوطني والتي تقترب من مليار دينار، على هذه التكنولوجيا، التي تكون أجمل وأنفع، إذا أخذت بطريقة معقلنة مقننة بحسب مقتضى الحال، لكني سأسأل: لماذا لم تسقط دول متقدمة كثيرة أغنى منا، في مثل هذه المتاهات المفرطة في العبثية والبطر والبذخ والسذاجة؟ | .
الكلُّ لديه هاتف أو أكثر، من طفل الروضة حتى ربة المنزل | ، بل تحولنا إلى أرقام، وغدونا أصحاب «صلة رحم» صوتية، لا نتزاور في الغالب، لكن خيط الصوت يبقى بيننا مشدوداً |
فكم مكالمة تستطيع ألا تجريها أو تستغني عن إجرائها في يومك ؟ |
وكم مكالمة تستطيع أن تقلل من عمرها؟ |
ولماذا التصقت أيادي الكثيرين منا في آذانهم ؟ |
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |