كش مات
لا نلوم الملياردير (كيرسان ايليومجينوف) رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، على مخاطرته المجنونة بزيارة القذافي (المتجذرن) و(المتفأرن) في وكره تحت الأرض، كي يلعب معه (دستاً) شطرنجياً مضحكاً، أمام حدقة التلفاز. قد لا نلومه، فقد سبقى وتخلى عن رئاسة جمهورية (كالميكيا) الروسية، الواقعة على بحر قزوين، ليتفرغ لشغفه الحميم وحبه المقيم لهذه اللعبة العظيمة. وسندرج مغامرته في هذا المنظور.
حين بث التلفاز تلك اللقطة التمثيلية الفجة لدست الشطرنج بينهما، شعرت بالحزن الناخر نخاع العظم، فكيف يستطيع أن يلعب من ادعى أنه قائد وفاتح وأب وملك ملوك غيرها من الالقاب، كيف يلعب شطرنجاً ودماء شعبه تغطي الطرقات والصحارى. وأشعر بالقهر المحتقن، كلما تذكرت أن ليبيا المختار صبرت وتحملت طيلة عقود مريرة هذا الهبل دون أن تحرك ساكناً.
وسنتحسر بحزن على لعبة تحب وتحترم وتقدر، ليس لأن من هم على شاكلة القذافي لا يجيدونها، ولا يفهمونها، ولا يقدرون مراميها، بل لأنهم سيحرفونها عن موضعها وسيبتكرون لها تكتيكاً آخر، فالحصان في عرف القذافي مثلاً، قد يصبح فيلاً يطير قطرياً، والبيدق (الجندي) سيزحف للخلف، والقلعة تقفز بتمايل فوق أرتال الجثث دون أن تبالي، والمحزن أكثر أن كل القطع على ساحة الأبيض والاسود، ستتلاشى، ولن يبقى أحد سواه.
كان بودي أن يستطيع ايليومجينوف إقناع القذافي بضرورة التخلي عن الحكم، ليس حقناً للدماء، ولا صوناً لبلد يتفتت ويعاني وقتل آلاف المرات في اليوم، بل بإقناعه أن لعبة الشطرنج، وبما تملكه من شغف، تستحق أن يترجل الواحد عن صهوة الحكم الدامي من أجلها. لكن القذافي خرج بجنون جديد مديد، وهو أنه لم يكن رئيس وزراء، ولا رئيساً، ولا ملكاً. ولم يشغل أي منصب، فكيف يتخلى. ربما يحق له هذا، فهو كان الحجر الوحيد على رقعة الشطرنج.
من المعروف عن كيرسان وايليومجينوف، أنه شخصية غريبة الأطوار، فقد أكد منذ عشر سنوات أنه التقى مخلوقات فضائية، اتصل بها عبر التخاطر، ثم جاءت الى الأرض واخذته معها في رحلة على متن صحنها الطائر، ولاعبته الشطرنج على شرفة المريخ، أو أخذت معه كأس (فوتكا) في مدارات زحل. وهذه التخاريف والإغراءات قد لا تلقى قبولاً حسناً في هوى القذافي المحاصر. الذي لا يعرف إلا كلمة واحدة موحدة بكل اللغات: كش مات.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية