شهر مشمشي

 

على مهل. على خفر، ودلال، أو مثل امراة تجيء بكامل عطرها وبيلسانها، كان هذا الحزيران الحنون. للمرة الأولى أشعر أن حزيراناً يتواطأ مع أخيه الربيع، بهذا الطريقة الطرية، فقد ظل شهراً وادعاً موشحاً بالندى، تجيش غيومه القطنية المكتنزة، في صحن السماء، وتصدُّ عنا سياط الشمس. ولهذا نضج على مهل مشمشنا، مثل امراة أطالت مكوثها في نافذة الحلم.

وقديماً قال أجدادنا: (حزيران طبّاخ المشمش)، ففيه تشتد حرارة الشمس، ويحتد لهيبه وصهيدها، كي تطبخ لنا المشمش وتحيله إلى كرات ذهبية لذة للآكلين. ولكن من شدة حرها تنضجه سريعاً دفعة واحدة، ولا تمنحنا الوقت لنفكر بغير المشمش وذهبيته. ولهذا قولوا عن كل الأشيباء السريعة الواجب إقتناصها والتشبث بكل لحظة من لحظاتها، بأنها جمعة مشمشية.

أحيانا كنا نقول عن المشاريع والوعود التي لا ننوي إتمامها، والتي ننوي خنقها عن سبق إصرار وتلكؤ، نقول: في المشمش، وقد يكون، أن هذا الأمر تسلل إلى ثقافتنا، لأن المشمش السريع المباغت للغياب، جعل الذين يقطعون وعودهم بأنها ستكون في المشمش، يتوقعون بأن لا أحد سيلتفت لموعدهم حين يهل المشمش، فهو سيكون منشغلاً بهذه الهبة الربانية سريعة الرحيل.

ومن بعد ذلك، صرنا نختصر كل بحبوحة سريعة، بأنها جمعة مشمشية (أي إسبوع مشمشي)، على اعتبار أن المشمش ينضج دفعة واحدة، وينتهي بظرف إسبوع، ولكن هذه الجمعة المشمشية، قد تطول إلى ما يقرب السنة في المعدل، في عرف بعض الوزراء، ولأربع سنوات في حياة النواب، الذين يدركون أن عليهم أن يستثمروا الفرصة.

أما العشاق الملتاعون المحمصون بلهيب الانتظار والترقب والشوق، والذين تمتعهم حتى الوعود الكاذبة، وتسليهم صغار الأماني، وتسري عنهم، فهؤلاء يعرفون أنهم (في المشمش)، وأنه مهما طال المشمش، أو قصر، فلا بدل من رحيل سيطرق الباب. ولربما طال لنا في هذا الموسم مشمشنا الجميل، وأصبحنا في شهر مشمشي بحاله، إلا أن صوت الديك، ما زال ينادي في بحة كل الفجر ويصيح: ها قد مرت من العمر ليلة، وأنت لا تشعر بذلك، ولا تدري.

العمر ليس إلا جمعة مشمشية، أو على أبعد حد شهر مشمشي. فهل نقنص هذا الهارب منا، كحفنة رمل فرت من بين أصابع طفل يلهو على شاطئ ناعم؟؟.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية