حجر وإبريق 

 

حسب نظرية (الحجر والإبريق) الشهيرة، فالمواطن هو الذي سيدفع ثمن الأخطاء التي ارتكبتها وترتكبها الحكومات المتعاقبة عليه، وعليه أن يتحمل وزر سياسات السوق وانفعالاته وإرهاصاته وتحضيراته الرمضانية، فقد بشرونا بشلال حارق من الأسعار في رمضان. وحسب تلك النظرية، فالإبريق الفخاري، هو الذي سينكسر إذا سقط على الحجر، وهو أيضا سينكسر ويتهشم إذا ما سقط عليه الحجر؛ ففي كلا الحالين المواطن المسكين، أقصد الإبريق، هو الذي يدفع الثمن الباهظ، وتندق عنقه، و(يلتعن سلسفيل) أبوه.

المواطن الواقع بين سندان الأسعار ومطرقة التجار، لم يذكرني بنظرية الإبريق والحجر فقط، بل بسببه خطرت على بالي سياسة (الخاوة)، التي كانت شائعة في أعراف الصحراء والبادية، قبل أن تتطور دنيا القوانين وتحد من هيمنة الكبار على الصغار، ولو بالشكل فقط.

الخاوة هي مبلغ من المال أو من المواشي أو من الحبوب والمزروعات، كان يدفعها الضعيف الذي لا ظهر له للقوي المتجبر المستند إلى حيطة متينة، وذلك من أجل الدخول في حمايته، وضمان عدم التعرض لأذيته، وقد جاءت الخاوة من كلمة أخ، أي أن الضعيف يؤاخي القوي، ويأمن بطشه بهذه الرشوة، ولكن الخاوة لم تكن في عصر من العصور، إلا دليلاً ناصع الحقيقة على الذل والإذلال، ورغم هذا، فكل الضعفاء كانوا يدفعون الخاوات للأقوياء؛ من أجل الدخول في مؤاخاة هزيلة معهم، هي في الواقع لا توفر لهم الأمان، بل تقودهم لمزيد من الخاوات والمهانات

وكان من المؤلم في بعض البوادي، أن الزعماء الأقوياء، كانوا يختلفون فيما بينهم في كل شيء، إلا أنهم كانوا يتفقون ويتوافقون على أن ينهب كل زعيم أخ الزعيم الآخر، وبدلاً من أن يرد هذا الزعيم على بطش المعتدي مباشرة، كان يهجم ويداهم الضعيف الذي دخل في خاوته، وهكذا فالزعماء لم يكونوا يخسرون شيئاً، بل من يدفع الثمن هم الضعفاء، وويل للضعيف من بطش يد القوي.

السوق والأسعار تحاصر المواطن، وتبطش به، وتسلقه بغليانها. والحكومة ترفع وترفع، وهو يدفع لنيل رضاها ومؤاخاتها، لكنه لا يسلم من ضرباتها وضرائبها، ولم يسلم من رحمة التجار. تماماً كما لم يسلم الضعفاء المؤاخين من بطش الزعماء، في البوادي البائدة، ولهذا لا بد وتكون المصيبة (مدوبلة).

سياساتنا التسعيرية، لم تكن إلا الحجر الكبير الذي تتكسر عليه وبه كل الإباريق الفخارية.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية