زيت في ملعقة 

أرسل أحد التجار ولده إلى رجل حكيم؛ ليعلمه سرَّ السعادة. وعندما وصله وجد المكان يعجّ بالضيوف، والحكيم منهمك بهم، فأنتظره الفتى حتى فرغ، وطلب منه أن يعلمه سر السعادة، فابتسم قائلاً: الوقت لا يتسع لشرح السر العظيم، وطلب منه أن يقوم بجولة متمعنة داخل المكان، على أن يلتقيه بعد ساعين، وأعطاه ملعقة فيها قليل من الزيت وتمتم: أمسك بها في يدك، طوال جولتك، وحاذر أن ينسكب منك شيء من زيتها.

أخذ الفتى يصعد السلالم ويهبط مثبتا عينه على الملعقة، وهكذا حتى انقضت الساعتان بعناء كبير، وعندما رجع سأله الحكيم: هل رأيت جمال التمثال الذهبي في الصالة الكبرى؟، وهل بهرك السجاد القديم في الممرات؟، وهل تنشقت جيداً عبير ورود الحديقة؟. وهل لاحظت قوس قزح المتلود في نوافيرها؟؟.

ارتبك الفتى كثيراً، فهو لم يلحظ شيئاً، من هذا، فقد قضى الساعتين، وهمه الأول ألا ينسكب الزيت. فقال له الحكيم: ارجع وتجول، وتعرف إلى معالمه بهدوء. وبعد ساعتين، رجع الولد مسروراً بجمال وفرادة هذا المكان البديع، وعندما سأله: أين الزيت الذي عهدته إليك؟، نظر الفتى إلى الملعقة، واكتشف أنه سكبه، دون أن يدري. تنهد الحكيم قائلاً: تلك النصيحة التي أستطيع أن أسديها إليك، سرُّ السعادة، أن ترى روائع الدنيا وملذاتها، دون أن تسكب قطرات الزيت من يدك.

أعتقد أننا في كثير من أحوالنا نميل إلى جانب، وننسى آخر، إننا لا نوازن بين أمورنا، ولهذا يطغى جانب على آخر. نلهث وراء شيء، ونضيع أشياء، ننظر عالياً، ونسقط بحفرة. نكون في حضرة الحبيب، ونحن نفكر في مؤامرة لصديق. ونتكلم مع صديق، وقلبنا مع سواه. ربما ينقصنا أن نملك شيئاً داخلياً، يعيد إلينا القدرة على أن نوازن بين معطيات حياتنا بحكمة، ودقة.

المصابون بداء نقص السعادة، في غالب أمرهم، يسعون لاهثين إلى توفيق حياتهم، أو تلفيقها، بل و(شلفقتها). إنهم يمشون، وعيونهم بين أقدامهم، أو إنهم لا يقدرون على عملين في آن واحدة: أنهم لا يقدرون على الركض، والعلكة في أفواههم. فكيف يحفظون زيت الملعقة؟.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية