اثناء مرض الحسين رحمه الله، كان لنائب الملك آنذاك جولة في بعض مناطق عمان. وفي منطقة القلعة، توسط رجل مقعد الشارع، معترضا موكب الامير. وتوقف الجميع، ونزل الامير ومن معه ليستمعوا الى الرجل، الذي طلب منحه اعفاء جمركيا ليحصل على سيارة مثل غيره من اصحاب الاحتياجات الخاصة. وهذا الرجل لم يكن اردنيا، بل عربي سوري يقيم في الاردن منذ 15 عاما آنذاك. ولم تكن المشكلة في منحه الاعفاء الا الجنسية، فالقانون لا يعطي هذا الاستثناء لغير الاردنيين. ولهذا، قيل له احصل على الجنسية الاردنية وتنازل عن جنسيتك. لكن هذا الرجل الذي لم يزر بلاده خلال 15 عاما سوى مرتين او ثلاثة، اعتذر عن التخلي عن جنسيته، رغم انه ربما سيبقى طوال حياته في الاردن.
هذه القصة تعيدنا الى ممارسات البعض الذين تربطهم علاقة غربة عن المكان الاردني، وبعضهم ممن يمارسون ما اسماه جلالة الملك في خطابه الاخير" الاستقواء"، ليس على الحكومة او سياساتها، بل على الدولة واصولها. وهؤلاء من طبقة الكبار وحملة الالقاب، والذين حصلوا على الامتيازات والاضواء. هؤلاء ليست لهم مشكلة مع الحكومات، لانهم مارسوا ما تمارسه، لكن مشكلتهم في اصل العلاقة مع الاردن. فالجغرافيا لا قيمة لها عندهم، والعمل في الاردن لا يختلف كثيرا عن العمل في فضائية او شركة في اي عاصمة.
هؤلاء اكتسبوا علاقات مع دوائر صنع القرار، السياسي والاقتصادي والامني، في بعض عواصم العالم، ولهم علاقات مع بعض الصحف والمجلات الغربية. ولهذا، فهم حين يغضبون من الدولة يهاجرون الى علاقاتهم، ويمارسون التحريض على الدولة واستخدام ما لديهم من معلومات. وهم صورة مصغرة عما شهدناه في بعض الملفات العربية، من تلك "المعارضة" التي كانت تهاجم انظمتها من الكونغرس والبيت الابيض، ولم ترفض ان تهبط على ارضها بعد "تحريرها!" من مروحية اميركية.
والمشكلة ليست فقط في هؤلاء، فهذا النوع من الابتزاز معروف ومتداول، لكن بقية المشكلة في الدولة احيانا، حين تخضع للابتزاز، او تعتقد انها تمارس ذكاء بمحاولة الاحتواء؛ فترى من يمارسون الاستقواء والتحريض على الاردن يعودون بعد حين الى مواقع هامة. ومثل هذا السلوك يعمق هذه المدرسة، ويزيد من قناعة هذه الفئة بجدوى ما تفعل. واحيانا يمارس هؤلاء مع اصدقائهم في واشنطن، او غيرها، لعبة علينا. فقد يسمع اصحاب القرار، مثلا، كلمة اشادة بفلان من هذه الفئة، فتكون هذه بمثابة التزكية لهم.
ومن يشعر ان مقابلة له مع صحيفة اميركية، او مقال يجري تسريبه، او تحريض يمارسه هناك، يفتح له الابواب في عمان، فانه ليس بحاجة الى حزب او عشيرة، فهذه الطريق هي الاسهل لتحقيق ما يريد. فكثيرا ما يتم تبرير صعود البعض الى مواقع هامة بانهم محسوبون على اميركا، أو أن لهم اصدقاء في واشنطن، او أنهم مقبولون لدى اوروبا، لكن كل هذا لا يصنع انتماء او علاقة صادقة بين هؤلاء وبلادهم. وهم يشعرون ان وجودهم تعبير عن ضعف الدولة، وليس اكراما لقدراتهم، إذ لم نسمع ان فلانا جاء لانه مقبول من الاردنيين. فهل على بعضنا ان يمارس ذات الدور حتى يجد له مكانا في بلاده؟!
من المؤكد ان فئات تستطيع فعل هذا، لكن الغالبية، وبخاصة من اصحاب الانتماء الفطري، وممن لا خيار لهم سوى قوة الاردن وصموده، لا يستطيعون الا ان يكونوا مثل المواطن السوري. فالهوية الوطنية لا تقاس بمكان الغربة او الامتيازات، بل هي علاقة وجدانية، جسدها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وهو يغادر مكة مهاجرا مكرها بقوله: "والله انك لأحب البقاع اليّ، ولولا ان اهلك اخرجوني منك ما خرجت". وحتى بعد قوته وانتصاره في فتح مكة، فانه لم يحقد على اهله، بل عفا عنهم... هذه اللغة لا يفهمها من يغادر موقعه للبحث عن وسائل تحريض على وطنه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة