ابجديات السياسة الدولية تقول ان العديد من العلاقات السرية، او الضغوطات الاميركية لإقامة علاقات بين اسرائيل ودول عربية واسلامية، كانت تحتاج الى ظرف فلسطيني حتى تتحول الى استحقاق وخطوة طبيعية؛ وهذا ما حققته عملية انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة.
شارون ليس غبيا، وليس من "اهل الخير والاحسان"، وهو يعلم ان الانسحاب، وان كان استحقاقا لعمل المقاومة، الا انه ليس هزيمة عسكرية كاملة. وكان شارون يعلم انه بحاجة الى مشاهد افراح ورقص واستعراضات الفلسطينيين والفصائل، ليقول عبر هذه الاحتفالات ان سلاما يحل على الشعب الفلسطيني، وان رجل السلام شارون يستحق من المترددين شجاعة مثل شجاعته في الانسحاب!
غير مبررة هذه الدهشة التي يتعامل بها البعض مع الخطوة الباكستانية تجاه اسرائيل، وفتح ابواب العلاقات بينهما. وكان على هؤلاء، من قادة الفصائل والسياسيين، ان يتوقعوا هذه الخطوة وخطوات قادمة. وكما قال رئيس باكستان، مشرف: "لن نكون ملكيين اكثر من الملك، او فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين". والدول التي تحاول ارضاء واشنطن والهروب من الضغوطات عبر بوابة اللوبي الصهيوني في واشنطن، لن تضيع على نفسها فرصة لخدمة مصالحها.
وكان على الذين برروا لانفسهم ولجماهيرهم عقد هدنة عسكرية مع اسرائيل عبر السلطة، وبرعاية مصر، ان يدركوا انهم ليسوا وحدهم من يمارسون تبرير ما يفعلون، فالدول ذات المصالح المعقدة تملك هذا ايضا. ومن رأى في الهدنة والموافقة على دخول المجلس التشريعي وتقاسم السلطة والمصالح والمكتسبات السياسية ذكاء، كان عليه أن يدرك أن الموضوع الفلسطيني جزء من معادلات دول كثيرة في المنطقة والعالم. وقد سبق باكستان رئيس وزراء تركيا عن حزب اسلامي، والذي زار اسرائيل في ظلال الهدنة وآثارها.
خطوة باكستان المرفوضة لاقامة العلاقات مع اسرائيل، واي خطوات قادمة، كان يجب ان تكون ضمن حسابات اطراف المعادلة الفلسطينية، من سلطة ومقاومة. ومن فتح ابواب العملية السياسية مع اسرائيل، بشروط شارون وضمن خطته الاحادية، كان يجب ان يقرأ المرحلة، ليس من زاوية المكاسب بل من زاوية الخسائر. واذا كانت السلطة ليست متضررة كثيرا من زيادة مساحة علاقات اصدقائها مع اسرائيل، فان على قوى المعارضة الفلسطينية ان لا تعتقد للحظة ان الانسحاب من غزة انتصار حققته، وأنها اجبرت شارون على الانسحاب استجابة لشروطها، متناسية ان مجرم حرب مثل شارون، قتل رموز المقاومة وعلى رأسهم الشيخ ياسين والرنتيسي وغيرهما، لم تهبط عليه الهداية من الله لكي يقرر الانصياع لحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته.
على اطراف المعادلة الفلسطينية ان يدركوا ان ممارسة العمل السياسي، والدخول المباشر وغير المباشر في العملية السياسية مع طرف اسرائيلي محترف للقتل والسياسة، لا يتم النظر اليه من زاوية واحدة. وكما ان البعض يمجد انجازات المرحلة والهدنة، فإن عليه ان يدرك ان شارون، واللوبي الصهيوني في واشنطن، سيبذل كل جهده لمقايضة كل متر في غزة تم الانسحاب منه بثمن سياسي اقليمي ودولي، وعلينا ان لا ننسى ان حجم مكاسب اي طرفين في معركة إنما يتناسب مع ميزان قوة كل طرف.
نتمنى ان تكون الخطوة الباكستانية اخر مكاسب شارون من الهدنة والانسحاب. وقد لا يمر وقت طويل قبل ان نسمع بمفاجآت اخرى؛ فشارون ليس محسنا كبيرا، او رجلا بدّل جلده ورمى تاريخه وراء ظهره، كل ما فعله هو تغيير ادواته، وليس كما فعل البعض الذين غيروا نصف نهجهم، ومازالوا يعتقدون انهم الوحيدون القادرون على تحقيق المكاسب من السياسة.
تطبيع اسلامي ودولي سيحاول شارون اقتناصه مما يجري. ولهذا، فلا مبرر للدهشة التي يبديها البعض، او المناشدة التي يوجهونها ايضا. اما دماء الشهداء فهي قصة اخرى.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة