رصاص (حمدي قنديل)
من المفارقات الخفيفة، أن أقلام الرصاص، التي بين أيادينا، لا يوجد فيها أدنى ذرة من مادة الرصاص.(الرصاص ربما يتواجد بكثرة في حشوات البندقيات، وموت المسدسات). أما قلم الرصاص العادي، فهو خشب خفيف، محشو بعجينة الكربون (الفحم) أو الجرافيت. ولأن الرصاص كان يستخدم، في بعض أنواع الكتابة القديمة، فقد ظل الاسم عالقاً بهذا القلم البسيط. أما كلمة (PENCIL) فتعود في أصولها إلى اللغة اللاتينية، وتعني الأثر الصغير. فهل حقاً، لا تترك أقلام الرصاص، إلا أثراً صغيراً؟
.
ذات مرة، تكلم صانع أقلام رصاص إلى واحد من أقلامه قائلاً: هناك أمور عليك أن تعرفها، قبل أن تذهب إلى هذا العالم، فأنت ستكون قادراً على عمل الكثير من الأشياء العظيمة، التي ستتوارثها الأجيال. ولكنك ستتعرض لبري مؤلم، بين فترة وأخرى، وهذا ضروري لجعلك قلماً أفضل، وسيكون لديك القدرة على تصحيح أي أخطاء قد ترتكبها. وقبل كل شيء، تذكر أن الجزء الأهم فيك، هو (ما في داخلك)، ولهذا عليك أن تستمر بالكتابة، وأن تترك خطّاً واضحاً وراءك، مهما كانت قساوة المواقف.
الكربون أو الفحم، يتحول إلى مادة الألماس، إذا ما تعرض إلى ضغط شديد، وهو من أصلب الأشياء التي عرفتها البشرية، أما قلم الرصاص العادي، فيتكسر بسهولة، متحولاً إلى أشلاء، بأدنى عملية ضغط متاحة. وهذا ليس مهماً أبداً، فالمهم في قلم الرصاص، ليس قوته الخارجية، ولا اليد التي تمسك به، بل الأهم دائماً هو صاحب تلك اليد، الذي يبقي على ما بداخله نظيفاً عفيفاً صادقاً، كي يكتب أوجاع أمته الحقيقية، ويصدقها، مهما كانت قسوة الظروف وثقل الضغوط. ولهذا ما زلنا نجل (حمدي قنديل)، ونتحسس آثار (قلم رصاصه) الكبيرة في حياتنا وذاكرتنا. فأهلاً به ضيفاً عزيزاً في منتدى الدستور.
الضعوط الثقيلة، وسطوة الألماس، وبريقه، قد تجعل أقلاماً كثيرة تكتب ما يريده صاحب ذلك الألماس، والذهب، والمزايا. وهذه الأقلام البائسة، لا تترك أثراً لا كبيراً ولا صغيراً، في أيامنا وحياتنا. وإنما تمحى من وجدان العالم وذاكرته، بسرعة شهاب مرَّ في ليلة قمراء.
وهناك قلة من أصحاب الأقلام، يتركون أثرهم في النفوس والدنيا، حتى لو كتبوا بقلم زهيد الثمن، خشبي، ما زال يسمى قلم رصاص. هؤلاء هم روح الأمة، وملحها، وروادها الذين لا يكذبون أهلهم ولا يمارون على جراحها. فأهلاً بحمدي قنديل، القادم إلينا من مصر ثورة يناير. مصر ثورة اللوتس العظيمة.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |