نضحك، ونحن في القرن الواحد والعشرين، من جاهلية العرب يوم كانوا يصنعون بأيديهم اصناما من حجارة او تمر، ثم يحمل كل منهم "ربه!" الى بيته من الدكان ليعبده في بيته! ويتفكر احدنا بدهشة في مبدعين، من الشعراء والقادة والوجهاء في تلك المرحلة، وهم يهدرون كل ما يملكون في رؤوسهم امام حجر يقيد حياتهم، وهم الذين دفعوا ثمنه او صنعوه من تمر، بحيث لا يصمد هذا الاله وقداسته امام وحش الجوع والحاجة، فيتحول من إله الى معونة طارئة للأسرة المحتاجة!
لكن فكرة الاوثان لم تنته بذهاب الجاهلية؛ فالعمل السياسي في كل مكان ما زال يؤمن بالوثنية ويمارسها، واي فرد منا يمكنه ان يختار مرحلة سياسية في بقعة ما ليرى ان فيها اوثانا كانوا في مراحل التقديس السياسي، وكانوا اكثر قوة وحضورا حتى من الدساتير. بل ان الوثنية ذهبت بهم الى ان يكونوا هُمُ الوطن! وكان الحديث عنهم، او مجرد التفكير بالحديث عن اخطائهم، "اساءة" للوطن وهيبته واستقراره. وعندما دارت عجلة الاحداث، اكتشف الناس ان القداسة كانت لمصالح واخطاء وخطايا، وان ما كان مقدسا لدى هؤلاء هو جيوبهم وارصدتهم وارتباطاتهم، وربما مزاجهم وانبساطهم.
وفي عالمنا، من السهل على الوثنية السياسية ان تمارس التضليل، فتجعل الاوطان والاشخاص شيئا واحدا. بل ان امتلاك بعض الاشخاص للسلطة يجعلهم اهم من الوطن ومصالحه الحقيقية، وهذا يعني ان كل ما يفعله هؤلاء مقدس واشبه بالوحي السماوي. وكم مارس الناس تصفيقا اعلاميا لإجراء او قرار، ليكتشف الناس بعد انكشاف الامور انهم ليسوا اكثر من اكسسوارات لصفقة او جلسة أُنس.
مسكينة هي الاوطان! ففي بعضها دخل عشرات الالاف السجون والمعتقلات، ونال بعضهم الموت ومعظمهم التعذيب تحت شعار مصلحة الوطن، وكانت الهزائم وضياع الحقوق، ليكتشف الناس بعد حين ان حَمَلة القداسة، ومن بأيديهم مفاتيح المصلحة العليا، لم يكونوا اكثر من شلة تتنازعهم المصالح والصغائر.
في كل مرحلة هنالك أوثان ينفخون في مواقعهم وقراراتهم ليعطوها قداسة، ويحولون مصالح البلاد الى معايير من النايلون او البلاستيك المرن. فالصفقات يجري تمريرها عبر توفير لباس لها من هذا البلاستيك المرن، اما المصلحة الحقيقية للاوطان فهي مناقضة لمصالح هؤلاء، وربما مناقضة لوجودهم.
قد يكون من الاصلاح في عالمنا العربي ان تصدر قوانين تحظر على الجميع الحديث عن مصلحة الوطن والولاء والانتماء، وان نتحدث بلغة "مدنية"، حيث العمل يدلل على صاحبه. فمشكلة العديد من المراحل في الذين مارسوا ضخا جائرا لهذه المصطلحات، وعرّفوها وفق ما يريدون؛ فكانت احيانا ان يكرسوا قانون الوراثة الوظيفية، فالكبار يحجزون اماكن كبرى لأبنائهم. وبعضهم، تحت عنوان مصالح عليا، مارسوا العرفية، ثم قرروا ان يكونوا قادة الديمقراطية بعدما تغيرت الامور!
لم تكن مشكلة العرب قبل الاسلام في اصنام الحجارة والتمر، فهذه لا عقل لها ولا روح، بل في ذلك العربي الذي يملأ الدنيا زمجرة في الشعر والقتال، لكنه يسجد اخر النهار امام إله التمر، حتى وان كان من اردأ انواع التمور.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة