تطورات الاحداث السياسية في مصر منذ التعديل الذي طرأ على الدستور في مادته رقم 76، والاستفتاء الذي طرأ على التعديل، ومن ثم انتخابات الرئاسة التي انتهت منذ ايام، أظهرت لنا مؤسسة مهنية ذات دور وقور ومهم، وهي نادي القضاة المصريين، الذي سجل حضوراً محل اهتمام، ليس بسبب دوره في قضية سياسية بل لأنه عبر عن مكانة لفئة ذات استقلال واحترام هي السلطة القضائية، لكن ضمن اطارهم الخاص.
والجانب الأهم في اداء نادي القضاة ليس في الموقف السياسي؛ فكثير من الجهات تحدثت في السياسي، لكن اداء القضاة كان مهنياً، وكانت اجتماعاتهم تتحدث في غالبها عن الابعاد الدستورية والقانونية للتعديل الدستوري والاستفتاء, واخيراً الانتخابات الرئاسية؛ اي ان السادة قضاة مصر، عبر ناديهم، اختاروا ان يمارسوا حضوراً فنياً عبر مواقف قوية متخصصة، فهم الجهة المتخصصة في الأبعاد الدستورية والقانونية للعمل السياسي. وهذا الجانب في الأداء تفتقده ساحات عديدة. فالجميع يتحدثون في السياسة؛ يعلنون مواقف مؤيدة أو معارضة، يتراشقون بالاتهامات، ويقدم كل منهم نفسه على انه الممثل الشرعي للمصلحة الوطنية العليا.
وكم اتمنى ان يكون في ساحتنا الاردنية جهات فنية متخصصة ذات دور وحضور سياسي، لكن عبر ادوات متخصصة، سواء أكانت دستورية ام قانونية ام غيرها. فمثل هذه الهيئات كفيلة بإضفاء نوع من الترشيد للعملية السياسية، او على الأقل الانتقال من العموميات والأحكام المتناثرة إلى الآراء ذات القيمة الفنية التي تعزز المواقف السياسية.
وإذا كان المنطق القانوني يعطي للمؤسسات القضائية حق اصدار الاحكام، فإن موقف نادي القضاة المصريين ليس حكماً قضائياً، لكنه رأي فني له الاحترام المصداقية، بخاصة وانه تعامل مع القضايا دون استغراق في السياسة. وحتى لو ان النادي ضم سياسيين وحزبيين، الا انهم لم يكونوا حزباً سياسياً.
في الأردن عشنا قضايا عديدة كان الإعلام او الأحزاب او النواب او الأشخاص العاديون يعطون لأنفسهم حق وصف بعض القرارات والتشريعات والممارسات بأنها تخالف القانون او الدستور. وكان من السهل على اي من هذه الفئات ان يسمع كلمة في جلسة فيحولها الى حكم بدستورية او عدم دستورية اجراء او تشريع، عبر بيان او تصريح او محاضرة او مقال. ولهذا، لم يكن لكل اشكال التعبير هذه قيمة في اخفاء الدستورية او نزعها عن امر او تشريع.
وحتى بعض رجال القانون، فإن آراءهم كانت سياسية بالدرجة الأولى مع محاولة اضفاء نكهة قانونية عليها. ولهذا، فمع تراكم الممارسات، فقدت مواقف هؤلاء قيمتها القانونية وتم تصنيفها في اطار العمل السياسي.
ما شهدناه في تجربة نادي القضاة في مصر امر يستحق التوقف عنده كتجربة في الأداء الفني المهني الموضوعي القوي، بخاصة وان احد عيوب ساحتنا العامة والسياسية هي الأحكام العامة احياناً، والتراشق السياسي، كما ان الحياة النشيطة والصحية تتطلب تعظيماً لمؤسسات المجتمع المدني ذات المصداقية والوقار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة