في بعض المراحل او القضايا يتساوى الطيبون اصحاب النوايا الحسنة مع المغفلين في الادوار والمهام وردود الافعال وبالتالي في المكانة, وبعض ما يمارسه بعضنا -وقد نكون منهم احيانا- يشبه حالة صغار الدبكة فتخيلوا معنا عرسا شعبيا في احد الشوارع او الساحات حيث دبكة يمارسها الكبار تارة على انغام (القربة) وتارة على (الطبلة), وحول هذه الحلقة مجموعة اطفال يمارسون شيئا يعتقدون انه مناصرة للدبكة, او انهم يقلدون الكبار, وهم في الحقيقة يمارسون شيئا لا علاقة له بالدبكة, وليسوا معنيين الا (باللمبات) وربما اطلاق الرصاص والعصير او (الراحة) التي يتم توزيعها, لكن اهل العرس وقادة الدبكة يرون فيهم جزءا من الكومبارس وتعبيرا عن (الفرحة الشعبية) بهذا العرس.
   واذا كان الصغار يمارسون ذلك من فطرة بريئة وتقليدا للكبار, واشباعا لرغباتهم, فإننا نحن الكبار نمارس هذا الدور احيانا فترانا على هيئة صغار الدبكة وكومبارس الدبيكة, نصدر حركات واقوالا وتصريحات ومهرجانات وندوات وبيانات تأييدا للكبار, ونحن لا نفهم ما يجري, ونعتقد دائما ان ما يفعله كبار الدبكة هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ونعتقد او نحاول ان نقنع انفسنا ان اجواء الدبكة الكبرى لا هم لها الا المصلحة العليا, او انها تسير وفق تخطيط مدروس, او كما كان يقال "كل شيء محسوب حسابه" والصغار دائما يحبون ان يمارسوا الثقة بكل ما حولهم.
    ما نتحدث عنه ليس رمزية، بل هو وصف لاوضاع تجري هنا وهناك, ولو تتبعنا الدعم الشعبي او التأييد والتغني بالسياسات والقرارات, وكم كتب فيها افتتاحيات ومقالات وتصريحات, لعرفنا ان بعضنا ارتضى ان يكون من فئة صغار الدبكة, يرقص على موسيقى لا يعلم عنها شيئا, ويفرح للضجيج دون ان يدرك معنى حركة أقدام الكبار, أو معنى ما يقولون ولماذا يحركون ايديهم وارجلهم بهذا الاتجاه او ذاك.
     في زمن النبي عليه السلام ونزول الوحي كانت احدى القواعد الاساسية: "ان لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" بمعنى: لا يجوز لأحد ان (يؤجر) عقله وقناعاته ويتحول الى شاعر او راقص في حلقة لا يفهم مداها, او يرتضي ان يكون اداة لتمرير سياسات ومصالح لا علاقة لها بمصالح الاوطان.
    المشكلة ليست فقط في مسؤول او مجموعة في السلطة تمارس الخطأ بل في الناس عندما يضفون شرعية على هذه الممارسات, بل ويرقصون لها حتى وهي تستنزف خبزهم ومصالح اطفالهم, والمشكلة الاكبر حين يرقصون للشكليات التي يريدها اصحابها للتغطية على التقصير, وكلما زادت الشكليات والاكسسوارات والضجيج في اي علاقة فمعنى هذا ان فيها نقاط ضعف كثيرة, وان الطرف القوي يعتمد على هذه الشكليات للتغطية على اشياء اخرى تناقض يجب ان تكون عليه الامور.
    من يمارسون الدبكة  او دور الكومبارس وهم يعلمون ما يفعلون اكثر وعيا وانسجاما مع انفسهم, ممن يمارسون حركات يستغلها الآخرون لاضفاء شرعية على ممارساتهم, وحتى لا يذهب بعضنا بعيدا الى نموذج الانتخابات الشكلية, فهذا النموذج ليس الا مثالا واحدا لكن الكثير الكثير مما نفعل ونشاهد ونسمع يندرج في اطار افعال لا تختلف عما نشاهده من دلالات لصغار الدبكة والدبيكة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة