قلوب امتشقت نارها
يستخدم الماء لإطفاء النيران معتمداً على مبدأ (الخنق). فعندما يلامس الماء جسماً ملتهباً، يأخذ كمية كبيرة من حرارته، ويتحول إلى غيوم كثيفة، تحيط بالنار وتمنع وصول الأكسجين، فتختنق كجسد انسلت منه الروح. وفهل ينفع هذا التكتيك مع الشعوب، ونيرانها عندما تجيش في قدور الصدور؟
.
أحيانا أخرى يستخدم البارود في إطفاء النيران. بعد أن يضاف إلى الماء، بكميات قليلة لزيادة قوة إطفائه. فعندما ترش المياه على الجسم المشتعل، فإن البارود المذاب فيها يحترق مولداً المزيد من الحرارة العالية، التي بدورها تنتج مزيداً من سحب البخار الكثيفة، فتتزايد فرص خنق النار بسرعة كبيرة. وهذا التكتيك لا ينفع في إطفاء ثورات الشعوب. فمنذ متى كان البارود قادرا على إخماد البارود؟ | .
هناك مثلث شهير في علم الإطفاء، لا بد من توفر جميع أضلاعه لإشعال أية نار: لا بد من وجود مادة تحترق مع توفر الأكسجين ليمد النار بالحياة، ولا بد من وصول الجسم إلى حرارة مناسبة، تسمى عتبة الاحتراق. ومن حسن حظ شعوبنا العربية، التائقة للحرية، في عام الوقوف العرب 2011، عام رمي العكاكيز، أن كل أضلاعها التي تكسرت تحت بساطير العسكر، قد تصلح حطباً لثورة تجيش ولا تخمد.
نار التحرر العربي التي التي أطلق شرارتها الشاب الأبي محمد البوعزيزي في تونس، ثم امتدت ألسنتها إلى أم الدنيا، ولم تطفأ في اليمن، وليبيا، وسوريا. هذه النار لا تحتاج لتوافر ثلاثة أضلاع لإتمام اشتعالها، بل قد تكفيها ضلع مكسورة بقفص الصدر تسعر لهيبها. فنار الحرية لا يقيدها قيد، ولا يخنقها شرط.
أما من أراد أن يستأسد على شعبه، معتقداً أن نيران هذا الشعب، هي نار حقيقية، كالتي تصنع الشاي، يكفيك أن تبطل ضلعاً من أضلاعها، أو تكسره ببوز بسطار لتخمدها حتى آخر جذوتها. سيدرك متأخر أن كل نار تخلف رماداً، إلا نار شعب تعمد بالدم.
لن تخمد هذه النار بالماء، أو البارود، ولا بالرشاشات، وبلطجة الشبيحة، فقد بلغ السيل الزبى، وبلغ القهر نخاع العظم. يكفي يكفي. فالنار التي اندلعت من درعا، وتفاقمت في حماة، واشتاطت في حمص وتل كلخ، لن يطفئها سحب ضلع أو ضلعين أو ثلاثة، أو كسر كل اضلاع التواقين للحرية. هي نار أخرى. فهل جاءك نبأ القلوب، حين تمتشق نيرانها؟؟ | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
|