المتابعون لعمل لجنة الاجندة الوطنية يعلمون ان قانون الانتخابات هو التشريع الاكثر اهمية من الناحية السياسية. وبعض الاطراف عملت على ان يكون انتاج اللجنة السياسية رفيعا متقدما، حتى يكون رأس حربة في السعي إلى تغيير حقيقي في القانون الحالي. واطراف اخرى ليست قلقة من انتاج اللجنة، وحتى توصيات "اللجنة الأم"، لان كل ما سيخرج من اقتراحات ليس لها قيمة دستورية ما لم تحظ بموافقة مؤسسات الدولة، فضلا عن اقرار الحكومة ومجلس الامة. ومع كل هذا، فان مخرجات اللجنة تبقى، في الحد الادنى، تمثل حراكا سياسيا، وتصورات يمكن من خلالها -على الاقل- بناء توافق حول القادم من التشريع.
ومن الناحية النظرية، فان الاهداف التي اشارت اليها اللجنة السياسية في اقتراحاتها اهداف ايجابية، بل مطلوبة من قانون الانتخابات، مثل نزاهة الانتخابات، وتنمية الحياة السياسية، وانتخاب برلمان تمثيلي سياسي، وتشجيع نمو الاحزاب ومشاركتها في الانتخابات، وتشجيع المشاركة الشعبية.
وتفكير سليم ان تذهب اللجنة في اقتراحاتها الى العمل على تلافي "سلبيات الصوت الواحد". وهذا الاتجاه يعني الاقرار برأي الجهات المؤمنة بهذا القانون، وايضا الاخذ بملاحظات الرافضين او المحتجين على القانون، وهذا يعني واقعية في ادراك متغيرات الساحة الساسية.
لكن الملاحظ في المبادئ العامة التي تتحدث عنها اللجنة السياسية انها تتجاوز الواقع، وتغمض عيونها عن بعض القضايا التي ستجد مقاومة، او بعض المعطيات الهامة. فمثلا، تقترح اللجنة تقسيم المملكة الى دوائر انتخابية بمقعد نيابي واحد لكل دائرة، ويخصص لهذا الجانب نصف عدد اعضاء المجلس مع امكانية الزيادة او النقصان قليلا، فيما يعطى النصف الثاني للقائمة النسبية البرامجية، التي تكون لقوائم تؤلفها احزاب او قوى وتجمعات سياسية. والمثالية في هذا الطرح الايجابي تظهر في نسبة المقاعد التي تعطى للقائمة؛ فهل تتوقع اللجنة، في المرة الاولى لاقرار القائمة، ان يخصص لها 50% من مقاعد المجلس؟!
الملاحظة الاخرِى تتعلق بالغاء "كوتا كل من المرأة والبدو والمسيحيين والشركس والشيشان. فاذا كانت فكرة الغاء الكوتا هي نوع من العدالة في التفكير المجرد، إلا ان الواقع يتضمن معطيات لا يمكن تجاوزها. ولهذا، فان اللجنة ابقت على الكوتا بشكل اخر، بأن ألغت التسمية (كوتا)، لكنها اوصت على ان ينص القانون على "مراعاة الفئات التي تتمتع حاليا بمقاعد محددة، بان تتضمن قوائم الوطن نسبا معينة منهم". اما المرأة، فاقترحت اللجنة ان "ينص القانون على انصاف المرأة بان تتضمن قوائم الوطن نسبا معينة منهن، ويضمن القانون الفوز لعدد منهن بمقاعد يتم الاتفاق على عددها لاحقا".
انها محاولة غير ناجحة لتجاوز مبدأ الكوتا عبر تغيير تسميتها. وربما كان على اللجنة ان تحافظ على بعض أنواع الكوتا كما هي، دون محاولة التغيير الشكلي، لان صيغها المقترحة تعترف ان الالغاء المطلق للكوتات سيلحق ظلما بالفئات السكانية المعنية، كما ان التغيير الشكلي لا يقدم جديدا.
وفي مجال القائمة النسبية، فان اللجنة تقترح ان لا تقل النسبة التي تمكّن اي قائمة عن 50%. ولا ندري كم هي واقعية هذه النسبة في ظل الواقع الحزبي والسياسي الحالي؟! لكن فكرة النظام المختلط، واعطاء الفرد صوتين، فردي واخر للقائمة، يمكن ان يكون احد اشكال تجاوز سلبيات الصوت الواحد، وهذا احد اهداف القانون الجديد كما حددته اللجنة.
وبغض النظر عن التفاصيل، فان الحراك السياسي الخاص بقانون الانتخاب ضروري وايجابي كمدخل للتنمية السياسية، بشرط ان لا نذهب بعيدا في الجانب السياسي، الذي قد يفسر سلبيا فيما يخص حالة عدم الاستقرار في مسار القضية الفلسطينية.
بقي ان نقول، ان اقتراحات اللجنة السياسية ليست قانونا بل مبادئ عامة له. ولهذا، فالقانون القادم قد يتضمن تعديلا على عدد مقاعد المجلس، بحيث يتم تخفيضها الى ما بين 70-80 مقعدا. كذلك، فان القبول باقتراحات اللجنة يعني تخصيص مقعد واحد لكل دائرة، وهذا يترتب عليه اعادة تقسيم الدوائر. والاهم، ان هذا القانون المقترح لن يعرض على مجلس النواب الحالي بسبب تعارض المصالح، لكن ما فعلته اللجنة خطوة كبيرة، وذلك قبل اجراء التعديلات المتوقعة عليها في المراحل القادمة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة