الجرذافي 

 

الماعز السوداء مجنونة، حدّ القردنة والشيطنة، فهي سريعة دأبها النطنطة والقفز فوق السناسل (جدران من الحجارة) والأسيجة، تتعب راعيها، وتجعله دوماً على قيد المطاردة، ليذبها عن البساتين والكروم، ويزجرها عن الشجر الذي تتعربش أغصانه، وتقضم أوراقه، وتتلفه.

ولا يعرف شقاوة الغنم السوداء، إلا من جربها، فراعيها ليس لديه كثير من الوقت، ليترنم على شبابته التي يدسها في حزامه، كنوع من الإكسسوار (الرعياني)، وليس لديه المزاج الصافي، ليسرح بخيالاته الشاطحة والمكبوتة، فهو يشكك دائماً بوعد أبيه أن يزوجه، عند نهاية الموسم، وهذا الموسم فات، كما فات سابقه، ولم تثمر وعود الأب فهي كالزيزفون: زهر بلا ثمر.

أما الماعز البيضاء (النعاج)، فهي مختلفة تماماً: هادئة، لا تتسم بالرعونة والشيطنة، تقضي جلَّ نهارها وفمها في الأرض، ترم كل شيء، من نبات أو تراب، لا تحتاج إلا إلى القليل من الراحة في القايلة (الظهيرة)، لكن هذه الغنم بالتأكيد، ستحتاج إلى قائد مختلف تماماً ليقود ها ويرأس تحركاته، ويطيع راعيه طاعة عمياء صماء، هذا القائد كان يسميه الرعيان (مرياعاً).

وهناك طريقتان لصناعة وإعداد المرياع: الأولى أن يختار الراعي حماراً صغيراً (جحشاً)، يربيه على يديه، بكثير من الدلال والعناية، يطعمه أطايب العشب، ويعلفه أجود الشعير، ثم يعلق في عنقه قرقاعاً (جرساً كبيراً)، ويحمل عليه الخرج، الذي فيه الزهاب والماء، هذا المرياع الحمار، يتقدم قطيع النعاج، ويتلقى الإشارة من الراعي، فلا يعصي أمراً، فتبقى الغنم البيضاء وراءه، لا تحيد عن اتباعه أبداً.

الطريقة الثانية، وهي الشائعة، أن يختار الراعي خروفاً صغيراً، ويخصيه (يفقده قدراته الفحولية)؛ كي يسمن سريعاً، ويربربه بالعلف والشعير، والحلوى أحياناً، ويعفي صوفه من الجزّ والقص ويلاعبه، ويحادثه ويناطحه، ولا يدعه يختلط بباقي الشلية (القطيع)، حتى يكبر، ثم يعلق بعنقه قرقاعاً، ليتقدم القطيع ويقوده. وفي هذه الحال ما على الرعي، إلا أن يأمر المرياع بالتوقف، فيقف القطيع، أو يأمره بالاتجاه شمالاً، فيتجه القطيع شمالاً وهكذا.

بعد الربيع العربي وثورة الشعوب المرعية، التي استكانت لحكم مرياعها عقوداً طويلة. هل ستجرؤ أمريكيا، أو القوى الغربية، أو حلف الناتو، أو أين كان في هذا العالم، أن يجدوا مرياعاً جديداً يتنمر على هذه الشعوب المنتفضة من جديد؟. زمن القطيع العربي ولى لغير رجعة، بعد أن انتفضت على سياسة القطيع ومرياعه. فلن يقع في هوان جديد شعب دفع دمه ساخناً، على صفحات الشوارع.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية