ابن صفي 

 

نغيب طويلاً، وقد أخذتنا المدن والنساء والأعمال. نغيب بعد أن عبرت مياه كثيرة بشريان النهر، ونمت جدران وأسوار ومسافات. نغيب وقد ساقتنا الدنيا كقطعان الريح، في جهات الشتات. ولكننا حين نلتقي، نلتقي وكئن لم نغب، إلا بمقدار قبلة خاطفة، أو قبلتين.

كأن الرماد ما غطى شيئاً من جمرنا. فنكمل خيط الضحكة، الذي نظمناه أول سهرة، مر عليها عشرة أعوام أو أكثر. أو نكمل نكتة عمرها أكثر من عشرين عاماً، ولكنها ما زالت خضراء ساخنة خرجت للتو من الفرن. كل شيء يبقى طازجاً وطرياً وعذبا وبريئاً.

كأننا لم نكبر ابداً، أو ربما أننا لم نعترف بمرور الزمن علينا. ولهذا ما زلنا نرى بعضنا بصورتنا الأولى في الصف الأول الإبتدائي. نرى بعضنا وكأننا ما زالنا على قيد الطفولة. ولهذا لا أحد سيقول بأنك كبرت، أو ظهرت تجاعيد عينيك. أو إتسعت صلعتك، أو شابت منك الذوائب. ولا أنت تقول لأحدهم قد تكور كرشك وطالت لحيتك. بل نلتقي بذات الصورة، التي إلتقينا فيها قبل ثلث قرن، إي حين دخلنا الصف الأول.

طفلي أربكني قبل فترة، فعندما قلت له سلّم على عمك. فسلم، وحين غادرنا، بدأت موجة التحقيقات: بابا، كيف يكون هذا الرجل عمي؟، وهو ليس ابن جدي، وليس ابن عمك، وليس جارنا أو قريبنا؟. هذا أول مرة أراه فيها، فكيف يكون عمي؟. فأقول له، بل هو عمك، رغم إنه ليس ابن جدك، ولا ابن عمي، ولا جارنا، أو قريبنا، ولكنه عمك، لأنه (ابن صفي).

العيد الماضي كان استثنائياً بإمتياز. فقد إلتأم شمل أكثر من ثلاثين صديقاً من مدارج الطفولة (أبناء الصف الأول). إلتقينا بأسمائنا الأولى، نرى بعضنا، وكأننا لم نتزحزح يوماً في متراس العمر. يحدثني أحدهم عن أبنائه وبناته، وعن عمله، فلا أكاد أصدق، ربما لأني ما زلت أراه، كما رأيته في الصف الأول. إلتقينا وتجددنا، ومسحنا عن طواهلنا سنوات وسنوات.

لأصدقاء الطفولة نكهة أخرى، غير كل مذاقات الصداقات المعهودة. ربما لأنها تأسست على البراءة الأولى والطزاجة الحقيقية. ولهذا أنا محظوظ بأصدقاء، لم ينفذوا من عين الغربال، أصدقاء يحفظون أغنية قلبي، وأحفظ أغاني قلوبهم، نفرح بصدق. وحين تضيق بي الدنيا، وتهمزني بأنيابها، أسند رأسي على كتف أحدهم؛ وأجهش في بكاء مريح. فسلام على أبناء صفي. وأعمام أولادي.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية