سأتفقدُ قمح قلبي 

 

لا يقنعني أن نسمى البدر المكتنز في هذه الليلة بقمر الحصادين، رغم كامل محبتي للقمح، وشغفي بحصاده، ولياليه وأغانيه. فالحصاد لدينا في أيار وبواكير حزيران. ولربما تسللت إلينا التسمية من شعوب شرق أسيا، أو أمريكيا اللاتينية، لأن مواسم الحصاد لديهم تأخذ ذروتها في هذا الشهر، ولأنهم يعملون بضيائه. أما قمرنا الأيلولي، فهو قنديل على الكروم، وعنبها الآيل للعسل.

العشاق كانوا لا يحبون القمر بدراً، رغم رومنسيتهم ورقتهم الشفيفة، بحجة أنه يحرمهم حبيباتهم، ويفضح لقاءاتهم السرية، كما أنهم كانوا يدعون أن من يلتقي بقمر أرضي وضاء جميل بشعره الليل، كيف له أن يطالع صفحة السماء، محدقا بقمر بعيد المنال؟.

وعلى عكس العاشقين، فالحصادون كانوا يتوقون إلى اكتمال القمر بدراً؛ ليكملوا أعمالهم على بيادر القمح، من دراس، وتذرية، وكيل، حيث نداوة الليل الوديعة، التي تزركشها بين الحين والآخر حركات كالشهب لسراج الحصادين (وسراج الحصادين هي حشرة مضيئة فسفورية)، ناهيك أن القمر المكتنز كان يسامرهم بصبر، ويثير فيها غناء خفيفاً، موغلاً بالعشق، والأمنيات، فيعينهم على هذا العناء، ولذلك سمّي قمر أيار لدينا قمر الحصادين، وهو ذات السبب الذي جعل شعوباً أخرى تسمي قمر أيلول بذات الاسم.

الليلة سيكتمل القمر مثل رغيف، ولأننا لا قمح زرعنا، ولا بيدر حصدنا، ولا كواير ملأنا (الكوارة هي مخزن القمح الطيني في بيوت أجدادنا). فسيعجبني أن أسامر قمري بحكايات القمح، وبريق ذهبه، وسأنتظر القمر على بيدر أحلامي، وبيدي غمار من حلم. سأتتبع أمر قمري قبل مغيب الشمس. أريد أن أتفقد قمح قلبي، وأكيله صاعاً صاعاً، أريد أن أغني أغنية، ما زالت تريحني.

تروقني إحدى النظريات الفلكية، التي تدّعى أن القمر كان فيما مضى قطعةً من أمه الأرض، ثم انفصل عنها، لكنه ظل يدور حولها ومعها، ولا يفارقها، وحتى الآن ما زال يحاول كلما اقترب أن يسحب شيئاً من الماء إليه، علّ الحياة تدب فيه، ولهذا كان المد والجزر، ولهذا كان حبنا للقمر ايضاً.

ربما أخذتنا الحياة بضوضائها وأنوارها الصاخبة، فلا أحد يجرؤ ويرمي الريموت من قبضة يده، ويخرج ليسهر مع بهاء الليل، وقمره الوحيد القريب قاب همسة يجوب السماء المندية بالغيوم. ربما بتنا لا نلقي بالاً للقمر العاشق، ولا نرفع رؤوسنا لقراءة السماء. فالظاهر أن سرعة الحياة تنسينا أنفسنا، فليس هناك أضيع من قمر كبير في مدينة صاخبة.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية