ربما لم يتوقف البعض عند التقييم الذي قدمه الامير سعود الفيصل، وزير خارجية السعودية في واشنطن، قبل ايام امام احدى الهيئات الاميركية، عندما اشار بوضوح الى ان السياسة الاميركية عززت الطائفية في العراق، وان هذه السياسة تساهم في تسليم العراق الى ايران. هذا التقييم، او ربما الشكوى، من احدى الدول الحليفة لواشنطن يحمل تعزيزاً لمخاوف سبق ان سمعتها الادارة الاميركية من بعض اصدقائها، لكن يبدو ان الارتباك الاميركي في العراق، وتعمق المأزق نتيجة تزايد خسائر الولايات المتحدة العسكرية والسياسية، كل هذا جعل ادارة بوش غير قادرة على الاستفادة من تلك النصائح.
وبعيداً عن ملف ايران النووي الذي يمكن تسويته بصفقة كتلك التي تمت مع كوريا الشمالية، فإن السياسة الاميركية فتحت الباب للنفوذ الايراني ليزداد، بل وليتحول الى "عمل مؤسسي" داخل ما تم تشكيله من هياكل حكومية او ميليشيات، بحيث وصل هذا التغلغل، وفقا لما يذكره بعض العرب السنة، إلى حد اختراق اجهزة هامة من قبيل هيمنة اتباع ايران على وزارة الداخلية واجهزة الشرطة.
والمشكلة ليست هنا، فالتاريخ والجغرافيا يقولان ان دول الخليج تحمل مخاوف مشروعة، بل وتجربة سلبية في علاقاتها مع طهران. ونحن لا نتحدث هنا عن العلاقات الرسمية والمجاملات التي ارادتها حكومة خاتمي كجزء من نهجها السياسي، وإنما عن الخوف من اطماع، بل وقناعة ايرانية بأنها صاحبة الدور الاهم في المنطقة، وان هذا الدور سيكون على حساب الدول الاخرى. ولعل تجربة حرب الخليج الاولى، التي أدت دور الاجراء الوقائي لتخفيف المخاوف الخليجية والعربية، هذه التجربة لا يمكن تكرارها، لان العراق الذي كان سداً امام اطماع ايران اصبح، وكما تشير الوقائع وتتحدث السعودية، جزءاً من مناطق النفوذ الايرانية نتيجة السياسة الاميركية في ادارة الحالة العراقية.
الشق الثاني من الرأي السعودي، والذي ربما تشاركها فيه دول اخرى، هو ان السياسة الاميركية عززت الطائفية في العراق. إذ افتقدت هذه السياسة إلى كل اشكال التوازن، من خلال انصياعها لمطالب وشروط، وحتى ثارات واحقاد البعض، وعملت على مكافأة هذه الجهات ومقايضة قبولها للاحتلال بإعطائها مفاتيح السلطة في العراق. وسواء ادركت واشنطن ام لم تدرك، فإن المحصلة أن شكل الدولة اخذ طابعاً طائفياً.
وانسجاماً مع هذه التركيبة جاء مشروع الدستور معززاً لدولة طائفية. وهذا يعني بناء حالة طائفية قادرة على بعث القلق في اوساط جيران العراق، ومنهم اصدقاء اميركا التي بدلاً من ان توفر لهم حالة استقرار اقليمي قامت بإعطاء عوامل القلق والتوتر والاضطراب فرصة للنمو والتعاظم.
ايران لم تعد قوة عداء للشيطان الأكبر او للمشروع الصهيوني، وربما لم تكن كذلك الا في مرحلة ذات اطماع خاصة، وهي لديها اجندة نفوذ تعززها عوامل سياسية وسكانية في اكثر من جغرافيا عربية اقليمية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة