حذاء التغيير
يبدو أن بركات شهيد التحرر (محمد البوعزيزي)، قد غزت العالم، من كل أقطابه وجهاته. ويبدو أن جسده المنير، تحول إلى مشعل حرية، يُقتبس منه لإنارة عالم بات مدلهماً، حتى ولو عجَّ بالأنوار والأضواء. فأول أمس تظاهرت ما يقرب الألف مدينة، على متن كوكبنا، بهدف تغيير العالم، خرجت المظاهرات حانقة هاتفة ضد العولمة، والغنى الفاحش، والشركات الجشعة، والبنوك الأكولة، والفساد المستشري. فهل حقاً بات متاحاً أن يتغير العالم، بعد شرارة البوعزيزي؟
.
في المدارس، وكتب النصائح والمدائح، كانوا يعلموننا (أو يلقنوننا) أنك لن تستطيع تغيير العالم، مهما عملت، وكدحت، وكابدت، وأنك إذا أردت أن تعيش سعيداً، وحظك موفور، وعرضك صيّنُ، فلا تحاول مع العالم، بل غيّر نفسك أنت، ما استطعت في التغيير السبيلا.
وكانوا على سبيل الحكمة، والموعظة الحسنة | ، يسوقون لنا قصة عن سلطان حكم دولة واسعة. وأنه بعد رحلة طويلة، وجد قدميه متورمتين بسبب الطرق الوعرة، فأصدر فرماناً يقضي بتغطية كل شوارع السلطنة بالجلد، كي تهنأ قدماه في الجولات القادمة.
وزير ماليته العبوس قال بوضوح: من الصعب يا مولاي، أن نغطي كل الطرقات بالجلد، فهذا يكلفنا أموالاً طائلة، وعمالة كثيرة، وجهداً كبيراً، وقد نجد صعوبة، في توفير كمية الجلود المطلوبة، لتغطية كل تلك الطرقات السلطنة، وهو أمر سيخلق أزمة في الثروة الحيوانية، وسيقضى عليها حتى آخر شلية (قطيع) | .
غضب السلطان واحمرت عيناه، وصرخ: ما العمل يا مستشارنا الذكي الأمين؟؟ | . ففكر المستشار، وقال بهدوء: لدي فكرة عجيبة، ستوفر علينا الأموال الطائلة والطاقات الكبيرة، والجلود الكثيرة | . فبدل أن نفرش كل طرقات السلطنة بالجلد الطري المدبوغ، سنجعل الجلد تحت قدميك فقط، يسير معك أينما ذهبت، أيها السلطان المبجل | .
ومن هنا جاءت فكرة الحذاء. هكذا كانوا يعلموننا، ويوحون لنا أن نستخلص العبرة من القصة، وأن نعي ونفهم ونؤمن، بأننا لن نغير العالم، مهما فكرنا وعملنا، وبدلاً عن هذا، علينا أن نغير أنفسنا، وأن نغير ما تحت أقدامنا فقط. حتى لو ظل العالم وعراً مدججاً بالحجارة المسننة، والدروب العثرة.
لا وألف لا. فالعالم سيتغير، فليس هناك نهاية للتاريخ، كما صدح المفكر فوكاياما، وليست الراسمالية، بأبشع صورها، والتي نحياها الآن، ليست نهاية مطاف الإنسان على أرضه، بل العالم الذي لا يكف عن الدوران، ما زال قابلاً للتغيير. ولن يكتفي الواحد منا بحذاء، يحتذيه في عالم وعر مزروع بحجارة مدببة. بل سنمهده وندجنه ونطرقه.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |